للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ من تخصيص بعضِهم بالسعادة والإيمان، وبعضِهم بالشقاوة والكفر.

فإنْ قلتَ: الاستدراك بعد استعمال كلمة (لو) على قاعدة العربية أنْ يُذكر انتفاءُ الشرط ليُثبَتَ انتفاءُ الجزاء، أي: لكنْ لم يشأ عدم الاقتتال فاقتتلوا، وعلى قاعدة الاستدلال أنْ يُذكر انتفاءُ الجزاء ليُعلم انتفاءُ الشرط؛ أي: لكنهم اقتتلوا فعُلم أنه لم يشأ عدم الاقتتال، فما وجهُ قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾؟

قلتُ: معناه: لكنه لم يشأ عدمَ الاقتتال، بل ثبوتَه فثبت؛ لأنَّه يُثْبِتُ ما يريده اصلا مّا كان؛ قيل: يوفِّق مَن يشاء فضلاً ويخذل مَن يشاء عدلاً.

وَيرِدُ عليه: أنه حينئذ يكون الخذلان عن باعثٍ، فتتقيَّد إرادتُه المتعلِّقةُ به، ويأباه التعميم المستفاد مما ذكر.

والآيةُ دليل على أن الأنبياء ولو كانوا أُولي العزم من المرسلين متفاوتةُ الأقدام (١)، وأمَّا أنه يجوز تفضيلُ بعضهم على بعضٍ على التعيين، فلا دلالة عليه في الآية، نعم يجوز ذلك إذا وُجد دليل قاطع؛ لأنَّه مما يتعلق بالاعتقاد دون العمل حتى يُكتفى فيه بالظن، وأنَّ ما تَعلَّق به إرادةُ اللّه تعالى؛ فعلًا كان أو تركاً، خيراً كان أو شراً، يقع، وأمَّا أن كلَّ ما يقع إنما يقع بإرادة اللّه تعالى فلا دلالة عليه فيها، إنما عُلم ذلك من موضع آخر.

* * *

(٢٥٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.


(١) في (د): "الأقدار"، ومثله في "روح المعاني" (٣/ ٣٨٢)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٣).