لمَّا بيَّن أنهم عكَسوا الحالَ في السؤال عن حال الهلال، مثَّل حالهم في السؤال عمَّا لا ينبغي بحالهم في الإحرام بالحج، وجريهم على خلاف ما يجب أن يكونوا عليه، وهو أن ناسًا من الأنصار كانوا إذا أَحرموا لم يدخلوا بيتًا من البيوت من بابه، فإنْ كانوا من أهل المَدَر (١) نقَبوا نقبًا في ظهر بيتهم منه (٢) يدخلون ويخرجون، أو اتَّخذوا سلَّمًا يصعدون فيه وينزلون، وإن كانوا من أهل الوَبَر دخلوا وخرجوا (٣) من خلف الخباء، فقيل لهم: ليس البرُّ بتحرُّجِكم من دخول الباب، ولكنَّ البرَّ الاتِّقاءُ من محارِم الله تعالى.
وهذا مع كونه نهيًا لهم عن عادتهم الرديَّة في باب الحجِّ على سبيل الاستطراد لذكرِ الحج وبيانِ مواقيته (٤) بيان لتعكيسهم في السؤال، وهو أن يسكتوا عمَّا يهمُّهم ويَسألوا عمَّا لا يَعْنيهم؛ أي: ما أنتم في سؤالكم عن سبب نقصانِ الأهلَّة وكمالِها وتركِكُم ما يهمُّكم من فوائدها إلا ككَونِكم متحرِّجينَ عن دخول البيوت من أبوابها وإتيانِكم من ظهورها حاسِبِين ذلك برًّا وما هو من البرِّ في شيء، وترككم التحرُّجَ عمَّا يجب عليكم اتقاؤه واجتنابُه وهو البرُّ. ثم قال:
﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾؛ أي: باشِروا الأمور من وجوهها، والمراد: توطينُ النَّفْس على ترك الفضول من السؤال والفعال، واجتنابُ ما يجب اجتنابُه، والتزامُ ما أَوجبَ الشرع من غير شكٍّ وشبهةٍ، فإن في السؤال أمَارةَ الشكِّ.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في تغيير أحكامه والاعتراضِ على أفعاله.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لكي تَظفروا بالبِرِّ.
(١) في (ف) و (م): "المدن". (٢) "منه" سقط من (ح) و (ف) و (ك) و (م). (٣) في (د): "أو خرجوا". (٤) في (د): "موافقته".