وقال الليث (١): الرَّغد أن يأكل ما شاء إذا شاء حيث شاء.
﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (حيث) للمكان المبهَم، أي: أيَّ مكانٍ من الجنة شئتُما، ومحلُّ ﴿حَيْثُ﴾ مضافًا إلى الجملة النصبُ على الظرفيَّة علَّقه بالأكل مع ظهورِ تعلُّقه بالسُّكنى؛ لأن إباحة الأكل من أيِّ مكانٍ كان وفي أيِّ وقتٍ كان مستلزِمةٌ لإباحة السُّكنى فيه بحسَب العادة، بدون العكس.
وإنما أُطلق لهما الأكلُ من الجنة حيث شاءا ومتى أرادا مع سعتها وكثرةِ أشجارها، ولم يقيَّد بوقتٍ ولا موضعٍ ولا أكلٍ مخصوصٍ بشيءٍ دون شيءٍ؛ كي لا يبقى لهما عذرٌ في التناول من شجرةٍ واحدةٍ مَنْهيِّ عنها بتلك المبالَغة.
﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ نهى عن الأكل منها بطريق الكناية مبالغةً، فلا نهي عن القرب منها، وقد أفصحَ عن هذا قو له: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٠] حيث أشار بما يشار به إلى القريب.
ثم إنه لم يقل: عن القُرْب من هذه الشجرة.
و ﴿الشَّجَرَةِ﴾ نعتٌ أو عطفُ بيانٍ، واختلفوا في تعيينها، وقال ابن جَريرٍ: والأَوْلى أنْ لا تُعيَّن؛ لأنَّ العلم بها علمٌ لا ينفعُ، والجهلَ بها جهلٌ لا يَضُرُّ (٢).
ولك أن تقول: في التَّعيين بأنها الكَرْمةُ - كما ذهب إليه بعضُهم - فائدةُ الإشارةِ إلى أنَّ الخمر أمُّ الخبائث؛ لأنَّ أصلها هو الذي كان السببَ في الخروج من الجنة أولًا، فيجب الاجتنابُ عنها لئلَّا يكونَ مانعًا من العَوْدِ إليها.
(١) في "م": (أبو الليث)، والمثبت من باقي النسخ وهو الصواب. انظر: "الوسيط" للواحدي (١/ ١٢١). (٢) انظر: "تفسير الطبري" (١/ ٥٥٦ - ٥٥٧).