أو أعلى منهم فتكونَ من زمرة العالينَ الذين لم يتناولهم الأمر= بل لأنَّ تقدير الكلام: فسجد المأمورون (١) به تبعًا، إلا إبليسَ فإنه امتنع عن السجود، واستَعظَمَ نفسَه، ورفَعها عن حيِّزِ المأمورين تبعًا.
وهذا ما قيل: إن الجن أيضًا كانوا مأمورين مع الملائكة، إلا أنه استُغنيَ بذكر الملائكة عن ذكرهم؛ لأنَّه إذا عُلم أن الأكابر مأمورون بالتذلُّل لأحد عُلم أن الأصاغر أيضًا مأمورون به، وليس مَبْنَى هذا على أنْ يرجعَ الضمير في ﴿فَسَجَدُوا﴾ إلى القبيلَين؛ لأن قوله: ﴿فَسَجَدُوا﴾ هنا في موضع: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الحجر: ٣٠] في آيات أُخَر.
وامتَنع (إبليس) من الصرف للعَلَمية والعُجْمة، ومَن جعله مشتقًّا من الإبلاس بمعنى اليأس قال: وشِبْهِ العُجْمة؛ لكونه لم يُسمَّ به أحدٌ من العرب، فصار خاصًا بمَن أطلقه الله عليه، فكأنه دخيلٌ في لسانهم، وهو عَلَمٌ مُرْتجَل.
والإباء: امتناعٌ بالاختيار.
والتكبُّر: أن يرى الرجلُ نفسَه أكبرَ من شأنه، والاستكبارُ: طلبُ ذلك بالتشبُّع، فهو من أفعال القلوب، وإنما قُدِّم الإباءُ عليه وإن كان أدلَّ؛ لأن مفهوم الاستثناء - وهو عدمُ صدور السجود عنه - ناشٍ عن إبائه، وإباؤه ناشٍ عن استكباره، فرُوعيَ هذا الترتيبُ واستُؤنف في ﴿أَبَى﴾ لأنَّه موضعُ سؤالٍ؛ لاحتمالِ أن يكون تركُ السجود لعذرٍ دون استكبارٍ (٢)؛ لظهورِ أن الامتناع بالاختيار أمرٌ فيه تذلُّلٌ لا يكون إلا عن الاستكبار، وكان استكبارُه مسبَّبًا (٣) عن كفره الأصليِّ، ولهذا ذيَّله بالجملة الاعتراضيَّة للتعليل، وهو قوله:
(١) في "د": (فسجدوا والمأمورون). (٢) في النسخ عدا "م": (استكبر)، والمثبت من "م". (٣) في "د": (سببًا).