للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

عن إبليس: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] لأن الاعتراض بكونه طينًا إنما يتَّجه أنْ لو كان مسجودًا حقيقةً لا قبلةً للسجدة (١) كالكعبة شرَّفها الله تعالى.

قال الإمامُ أبو منصورٍ: فيه دليل على أن الكتاب نُسخ بالسنَّة، فإن جواز السجود لغير الله تعالى ثبت بقصةِ آدم ، ثم نُسخ ذلك بالخبر (٢).

وقيل: هو بيانُ استغنائه عن عبادتهم إياه، وإنكارِه عليهم قولَهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فقال لهم: لا حاجة إلى عبادتكم وخدمتكم فاخدموا عبدًا من عبادي لم يخدمني كثيرَ خدمةٍ.

﴿فَسَجَدُوا﴾ عن وهب قال: أولُ مَن سجد (٣) جبريلُ ، ثم ميكائيلُ، ثم إسرافيلُ، ثم عزرائيلُ، ثم سائرُ الملائكة، وكان ذلك كما نُفخ فيه الروحُ من غيرِ تأخيرٍ بقوله ﷿: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] فإن الفاء للتعقيب بلا تراخٍ.

﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ استثناءٌ متَّصلٌ، لا لأنَّه من جنس الملائكة ولا ينافيه قولُه تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ لأن صنفًا منهم يُطلق عليه الجنُّ على ما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]، ولا لأنَّه كان جنيًّا واحدًا بين أظهُر الألوف من الملائكة مغمورًا بهم فغلِّبوا عليه في قوله: ﴿لِلْمَلَائِكَةَ﴾ ثم استُثنيَ منهم استثناءَ واحدٍ منهم؛ لِمَا في قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] دلالةٌ على أنَّ تناوُلَ الأمر إياه بطريق الدلالة؛ لأن المعنى: أمرُكَ دائرٌ بين أن تكونَ أدنى من المأمورين بالسجود فيتناولكَ الأمر دلالةً فيلزم الاستكبار،


(١) في "م" و"ك": (للسجود).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" لأبي منصور الماتريدي (١/ ٤٢١).
(٣) في "ك": (أولهم).