للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

واعلم أن في (١) هذه الآيات دلالةً على شرف الإنسان، ومزيَّةِ العلم وفضلهِ على العبادة، وأنَّه شرطٌ في الخلافة، بل العمدةُ فيها، وأن التعليم يصحُّ إسناده إلى الله تعالى وإن لم يصحَّ إطلاقُ المعلِّم عليه؛ لاشتهاره فيمَن يَحترف بالتعليم وإن لم يكن مختصًا به، على ما يُفصِح عنه تلقيبُ الفارابيِّ بالمعلِّم الثاني.

(٣٤) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ نَظْمُه بما قبلَه من حيث إنَّ في أول هذه الآية كشفَ ما أُجمل في ضمِّ تلك الآية مما نُسب إليهم من كتمان إبليس من الكبرِ والعصيان.

و (إذ) هذه عطفٌ على التي قبلَها إنْ نصَبْتَها بإضمارِ: اذْكُرْ، وإنْ نصبْتَها بـ ﴿قَالُوا﴾ فهذه منصوبةٌ بـ (اذكُرْ) مقدَّرٍ، والواو حينئذٍ عاطفةُ الجملة على الجملة.

ولك أن تقول: إن العامل محذوف بتقدير (٢): انقادوا فسجدوا؛ لأن السجود كان ناشئًا عن الانقياد.

وفي ﴿قُلْنَا﴾ خروجٌ عن ضميرِ المتكلِّم المفرَد إلى ضمير الجمع؛ لأن التعظيم (٣) من حيث إنه أَدْعى لامتثالِ الأمر من غير بُطءٍ يناسبُ المقام.

﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فيه إيجازٌ ونقلٌ للأمر التعليقيِّ إلى صورة التنجيز اعتبارًا للحاصل، على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ﴾


(١) (في): ليست. في "م".
(٢) في "م": (تقديره).
(٣) في "ف": (لأنه للتعظيم).