﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ تأكيدٌ لنفي التَّجوُّز، فإنَّه يُقال: القلبُ لُبُّ كلِّ شيءٍ، والتَّنبيه على أنَّ العمى المتعارَف الذي في البصر لا اعتبار له (١)، وليس بعمًى في الحقيقة بالنِّسبة إلى عمى القلوب، فإنَّ العمى الحقيقيَّ هو عمى القلب الذي محلُّه الصَّدر، فهو مقرِّر لِمَا ذُكِرَ أنَّ الأمر على خلاف ما عليه الجمهور مِن أنَّ العمى إنَّما هو في البصر حقيقةً وفي القلب استعارةً.
قيل: لما نزل ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢] قال ابن أمِّ مكتومٍ: يا رسول الله، أنا في الدُّنيا أعمى، أفأكون في الآخرة أعمى؟ فنزلَتْ (٢).
وَيرِدُ عليه أنَّه حينئذ يكون المعنى: لا تعمى الأبصار في الآخرة ولكن تعمى القلوب، ويردُّه قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا [طه: ١٢٥].
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ لا بالإهمالِ ولا بالإمهال؛ لأنَّه المحال في حقِّ الملك المتعال.
وحقيقة ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾: إخبار في معنى الاستفهام على سبيل الإنكار، أي: لِمَ يستعجلون بالعذاب المتوعَّد به كأنَّهم شاكُّون في وقوعه، ومحالٌ أنْ يخلفَ الله وعدَه، فلا بُدَّ من وقوعه وإن طالَ الزَّمانُ.