﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ البشارة في اللغة اسمٌ لخبرٍ يغيِّر بَشَرةَ الوجهِ مطلَقًا سارًّا (١) كان أو محزنًا، إلَّا أنَّه غَلب استعمالُها في الأول، وصار اللفظ حقيقةً له بحكم العُرف حتى لا يُفهمُ منه غيرُه، واعتُبر فيه الصدقُ على ما نُصَّ عليه في الكتب الفقهيَّة، فالمعنى العُرفيُّ للبشارة: الخبر الصادقُ السارُّ الذي ليس عند المُخبَر به علمُه.
والمأمورُ بالتبشير على قراءةِ:(بشِّر) على لفظ المبنيِّ للفاعل: الرسولُ ﵇.
ولا وجهَ للتعميم لكلِّ مَن يقدرُ على البشارةِ مِن غيرِ تعيينٍ؛ لِمَا عَرَفْتَ أنَّ مدار البشارة على الصِّدق، فحقُّها أن يكون المبشِّرُ صادقًا ومُصدَّقًا، كأنه ما اتَّكل في أمرِ التبشير على كلِّ قادرٍ عليه، بل نصَّ على أعظمِهم وأصدقِهم؛ ليكون ذلك أوثقَ عند المبشَّرين، وأقطعَ في الإخبارِ بهذه البشارةِ الجليلة، وفيه من التعظيم لأمرِ البشارة والمؤمنين ما لا يَخْفَى.
والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلَها عطفَ قصةٍ على قصةٍ بينهما جهةٌ جامعةٌ بحيث تقتضي أنْ يُقفَّى (٢) ذكرُ إحداهما بذكرِ الأخرى؛ توفيةً لحقِّ الكلام، ورعايةً لِمَا يقتضيه المقام، وذلك أنَّ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا﴾ خطابٌ عامٌ يشمل الفريقين: الموافقَ والمخالفَ.