وأصلُ الخَلْق: التَّقديرُ، يقال: خَلَقَ النَّعْل: إذا قدَّرها وسوَّاها بالقياس، والمراد: إيجادُ الشيء على تقديرٍ واستواء.
﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ذَكَر خَلْقَ مَن قبلَهم؛ لأنهم أصولُهم، وخَلْقُ الأصول إنعامٌ على الفروع، وقدَّم خَلْق المخاطَبين وإنْ تَقدَّم خَلْقُ مَن قَبْلَهم زمانًا؛ لأنَّ علمَ الإنسان بحالِ نَفْسه أظهرُ مِن عِلمهِ بأحوالِ غيره، ولأنَّهم المواجَهون به بالعبادة، فتنبيهُهم أولًا على أحوال أنفسهم أهمُّ وآكَدُ.
وبدأ أوَّلًا بصفةِ الخلق إذ كانت العرب مُقرَّةً بأنَّ الله تعالى خالقُهم، وهم المخاطَبون.
ولك أن تقول: أخرجه (١) مُخرج المقرَّر المعلوم: إمَّا لاعترافهم به كما أَفصحَ عنه قولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]، أو مبالغةً في ظهوره حيث نُزِّل - لتمكُّنهم من العلم به بأدنى نَظَرٍ - منزلةَ المعلوم.
ودخلت (مِن) على الزمان، إذ التقديرُ: مِن زمنٍ قبلَ زمانِ خَلْقِكم.
وقُرئ:(مَن) بفتحِ الميم (٢) على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ هو صدرُ الصلة، تقديرُه: والذين هم أناسٌ قبلَكم، وحذفُ صدرِ الصِّلة كثيرُ الدَّور في الكلام، وفيه تأكيدُ إبهام (٣) يتضمَّن التنبيهَ بما فيه مِن التفخيم على أنَّ خَلْقَ مَن قبلَهم أَدخلُ في القدرة، وعلى هذا تكون (مَن) موصوفةً و (قبلَكم) صفتَها، ويحتمِلُ أن تكون موصولًا مقحَمًا كما أُقحم (تيم) في:
(١) في "ف": (إخراجه). (٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٩١). (٣) في "ف" و"م": (إيهام).