﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ﴾ في موضع الحال؛ أي: وهبَ لي وأنا كبير، يعني: كانت الهبة في حال الشَّيخوخة، وبعدَ استمراري عليها، فللدلالة على أنَّ هبة الولد له لم تكن في ابتداء دخوله في سنِّ الشَّيخوخة، بل كانت بعد ما استمرَّ برهة من الزَّمان عليها، أتى بلفظة: ﴿عَلَى﴾.
روي عن سعيد بن جبير ﵁: أنَّه لم يُوْلَد لإبراهيم ﵇ إلَّا بعد مئة وسبع عشرة سنة، وتقييد الهبة بحال الكبر استعظام للنِّعمة، وإظهار للقدرة، وشكر لِمَا هو فيه من المنَّة، فإنَّ الظَّفر بالحاجة عند وقوع اليأس أعظم وأجلُّ (١)، ولأنها في ذلك كانت آيةً بينة له ﵇.
﴿إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ كان إسماعيل ﵇ أكبر من إسحاق ﵇، فلهذا قدمه عليه.
﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾: لمجيبُه، من قولك: سمع الملكُ كلامَ فلان: إذا اعتدَّ به وقَبِلَه، ومنه:"سمعَ اللهُ لمن حمدَه".
كان ﵇ قد دعا ربَّه وسأله الولد، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠](٢)، فهو من تتمَّة الشُّكر حمدًا لله تعالى على موهبة الولد، ورأى المنَّة عليه في قَبول دعائه السَّابق، فموقعُ قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وتذييلِه موقع الاعتراض؛ تأكيدًا لِمَا قدَّمَه مِنَ الطَّلب بتذكير (٣) ما عهد من الإجابة يتوسَّل إليه تعالى سابق نعمته في شأنه.
(١) في (ك): "وأحلى". (٢) في هامش (م): "فكأنه غفل عن هذا التصريح من قال: فيه إشعار بأنه دعا ربه وسأل منه الولد. منه". (٣) في (ف) و (ك): "يتذكر".