﴿مِنْ مَاءٍ﴾ التَّنكير للتَّنويع، أي: نوع من الماء غير معهود سقيه. قال مجاهد وغيره: هو ما يسيل من أجساد أهل النَّار (١).
﴿صَدِيدٍ﴾: هو قيح؛ أي: دم مختلط بمِدَّةٍ (٢) يسيل من الجرح، عطفُ بيان لـ ﴿مَاءٍ﴾، فأبهمه إبهامًا، ثم بيَّنه بـ ﴿صَدِيدٍ﴾، وخصَّه مِن بين أنواع العذاب بالذِّكر إيذانًا بأنَّه أشدُّ عذابها (٣)، ولشدَّته قال:
﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ للمبالغة، أي: يتكلَّف جرعه ولا يقارب أن يُسيغه، فكيف بالإساغة؟ بل يغصُّ به فيطول عذابه.
والسَّوغ: جواز الشَّراب على الحلق بسهولة وقَبولِ نَفْسٍ.
والتَّجرع: تناوله جرعةً جرعةً على الاستمرار، ويلزمه التَّكلُّف فيه، وما جاء في الحديث بأنه يشربه محمولٌ على ذلك (٤).
وقوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ صفةُ الماء، أو حال من الضَّمير في ﴿وَيُسْقَى﴾.
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١١٩) عن مجاهد وقتادة والضحاك. (٢) "بمدة" من (م). (٣) في (ف): "عذابا". (٤) يريد ما رواه الترمذي (٢٥٨٣) عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال: "يقرب إلى فيه فيكرهه، فإذا أُدني منه شَوَى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطَع أمعاءه حتى تخرج من دُبره، يقول الله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ويقول: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩] ". قال: حديث غريب.