﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾؛ أي: يا أسفًا تعالَ فهذا أوانُكَ، والأسف: أشدُّ الحزن على الغائب، وهو أشد الغضب أيضًا، ويجوز أن يكون اجتمع له المعنيان: الحزنُ على فَقْد يوسف، والغضبُ على إخوته أو على نفسه ببعثه معهم، ويناسبه ما في لحاق الكلام من التعرُّض لهما.
وإنما تأسَّف على يوسفَ والحادثُ مصيبةُ أخويه؛ لأن الرُّزْء به (١) أشدُّ المصائب وأنكاها، وهو الآخذ بمجامع قلبه لا ينساه، ولأنه كان واثقًا بحياتهما دون حياته، وفي الحديث:"لم تعط أمة من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمة محمد"(٢)، ألا يُرى إلى يعقوبَ حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وقال: ﴿يَاأَسَفَى﴾ منادى مضافٌ إلى ياءِ المتكلِّم أُبدلت الياء ألفًا.
﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾: لكثرة بكائه (٣) من الحزن، فإن العَبرة إذا كثرت محقَتْ سواد العين وغيَّرته إلى بياضٍ كدِرٍ، وعلَّل الابيضاض بالحزن وإنما هو من البكاء المتوالي؛ لأنَّه ثمرة الحزن فعلِّل بالأصل الذي نشأ منه البكاء.
والحزن: الهم الغليظ على النفس، من الأرض الحَزَن بفتح الحاء؛ أي: الغليظة.
والظاهر أنه ﵇ كان عَمِي (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾.
(١) في (ف) و (م): "الرزية". (٢) رواه البيهقي في "الشعب" (٩٦٩١) من قول سعيد بن جبير، وقال: (رفعه بعض الضعفاء إلى ابن عباس ثم إلى النبي ﷺ). قلت: رواه الطبراني في "الكبير" (١٢٤١١) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا، وفيه محمد بن خالد الطحان، وهو ضعيف كما في "مجمع الزوائد" (٢/ ٣٣٠). وانظر: "الكشاف" (٢/ ٤٩٧)، والكلام منه. (٣) بعدها في (ك): "لا". (٤) في (م): "أعمى".