﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ لتزكيةَ نفسه، وهضمًا لها، واحترازًا عن إعجابها بأمانتها وعصمتها، وإقرارًا بأن ذلك بتوفيق اللَّه تعالى ورحمته وتسديده وعصمته لا منه، أي: وما أبرِّئُ نَفْسي من الزلل، ولا أزكِّيها، ولا أشهد لها بالبراءة، وهي (١) - أعني: نفيَ التبرئة والتنزيه - إما مختصَّة بهذه الواقعة وإرادة الهمِّ المذكور الذي هو ميل النفس لا القصدُ الاختياري، وإما عامة في جميع الأحوال.
﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ تعليل وتأكيد بعد التلويح، والمراد بالنفس: الجنس؛ أي: هذا الجنس كلُّه دائم الأمر بالسوء، حاملٌ عليه بما فيه من الشهوات، باعث للقُوى والجوارح عليه.
﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾: إلا ما عصمه اللَّه برحمته، نصب على الظرف من أعمِّ الأوقات؛ أي: إلا وقتَ رحمة ربي وعصمته، أو على الاستثناء المتصل؛ أي: إلا البعضَ الذي رحمه ربي بالعصمة، واللام في ﴿النَّفْسَ﴾ للاستغراق حتَّى يصح الاستثناء.
ويجوز أن يكون استثناء منقطعًا؛ أي: ولكن رحمةُ ربي هي التي تصرف السوء؛ كقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً﴾ [يس: ٤٣، ٤٤].
وقيل: هو من كلام امرأة العزيز؛ أي: ذلك الذي قلتُ ليَعلم يوسف أني لم أخنه؛ أي: لم أكذب عليه في حال الغيبة، وجئت بالصدق فيما سئلت عنه، وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قذفتُه وقلتُ: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾، فهو اعتذار منها عما سلف، إنَّ كل نفس لأمَّارة بالسوء إلا نفسًا رحمها اللَّه تعالى بالعصمة كنفس يوسف، وفيه تكلُّفُ صرف الخيانة عن معناها إلى معنى الكذب.