لأنَّا لا ننكِرُ استعمال النارِ فيها تغليباً، أما دَعوى الغلبةِ حتى يُهجَر الأصلُ فكلَّا، ألا يُرى إلى قولِه تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وكم كم (١)؟
وأمَّا ما قيلَ: لأن بعضَهم وهو فسَّاقُ الموحِّدين يخرُجون منها، وذلك كافٍ لصحَّةِ الاستثناء؛ لأنَّ زوالَ الحكمِ عن الكلِّ يكفيهِ زوالُه عن البعضِ، وهم المرادُ بالاستثناءِ الثاني فإنهم مفارِقون عن الجنَّةِ أيامَ عذابِهم، فإن التأبيدَ من مبدأ معيَّنٍ ينتقِضُ باعتبارِ الابتداء كما ينتقِضُ باعتبارِ الانتهاء.
ففيه: أنَّ موجِبَ ذلك اندراجُ الفسَّاقِ في القسمَينِ فيفوتُ ما قُصِدَ بالتنكيرِ من التنويعِ والتميزِ بينهُما بحيث لا يندرِجُ أحدُهما في حكمِ الآخرِ، والتقابلُ المتعارَفُ بينهُما المفهومُ (٢) من قولهِ ﵊: "السعيدُ سعيدٌ في بطنِ أمِّهِ، والشقيُّ شقيٌّ في بطنِ أُمِّه"(٣) يأبى عن الجمعِ بينهُما بالاعتبارَينِ.
ثم إن الزفيرَ والشهيقَ من خواصِّ الكفارِ، وعلى ما ذكِرَ يلزَمُ تشريكُ الفساقِ معهم فيها (٤).
وأما ما ذكرَهُ ثانياً ففيهِ: أنه لا دلالةَ في اللفظِ على المبدأ المعيَّنِ، ولو سلِّمَ فالاستثناءُ يقتضي إخراجاً عن حكمِ الخلودِ، وهو لا محالةَ بعد الدخولِ، ولا يجوزُ
(١) نقله الآلوسي في "روح المعاني" (١٢/ ١١٥ - ١١٦) بحرفه عن "الكشف" للقزويني. (٢) "المفهوم" ليست في (ك). (٣) رواه البزار في "مسنده" (٢١٥٠) من حديث أبي هريرة، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٩٣)، وطرفه الأول رواه مسلم (٢٦٤٥) عن ابن مسعود ﵁ موقوفاً، ورفعه ابن ماجه (٤٦) بإسناد ضعيف كما قال البوصيري في "الزوائد". (٤) "فيها" سقط من (ك).