﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ إشارةٌ إلى ما آتاهُ من العلمِ والنبوَّةِ.
﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ إشارةٌ إلى ما آتاه من المالِ الحلالِ، والتقييدُ بـ ﴿حَسَنًا﴾ للاحترازِ عن الرزقِ القبيحِ، وفيهِ إشارةٌ إلى أن الحرامَ رزقٌ.
وجوابُ الشرط محذوفٌ تقديرُه: فهل يسعُ لي مع هذا الإنعامِ الجامعِ للسعادات الروحانيةِ والجسمانية أن أخون في وحيِه، وأخالفَهُ عن أمرِه ونهيِه، وهو اعتذارٌ عما أنكروا عليهِ من الإقدامِ على تغيرِ المألوفِ، والنهيِ عن دين الآباءِ، ولا يخفى ما فيهِ من حُسن (١) المراجعةِ، وحسن الاستنزالِ، ورفق الاستدعاءِ، ولذلك قالَ فيهِ ﵇:"ذلكَ خطيبُ الأنبياءِ"(٢).
والضميرُ في ﴿مِنْهُ﴾ للهِ تعالى؛ أي: من عندِه وبإعانته بلا كدٍّ مني في تحصيلِه، فقد أدمجَ فيهِ الجوابَ عن قولهِم:(أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء) على القراءةِ بالتاء فيهما.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾: وما أُريدُ أن أقصِدَ إلى ما أنهاكم عنهُ من المعاصي والملاذِّ لأستبدَّ بها دونَكُم، فلو كان صواباً لآثرتُه ولم أُعرِض عنهُ فضلاً عن أن أَنهى عنهُ، يُقالُ: خالفَني إلى كذا: إذا قصدَهُ وأنتَ مُولٍّ عنهُ، وخالفَني عنهُ: إذا ولَّى عنهُ وأنتَ قاصِدُه.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾: ما أريدُ إلا أن أصلِحَكم بموعظَتي ونصيحَتي ما أمكنَني، فلو وجدتُ الصلاحَ فيما أنتم عليهِ لمَا نهيتكم عنهُ.
(١) في هامش (ف): "لطف". (٢) رواه الطبري في "تاريخه" (١/ ١٩٨) من طريق ابن إسحاق عن يعقوب بن أبي سلمة، والحاكم في "المستدرك" (٤٠٧١) عن محمد بن إسحاق، وكلاهما مرسل. وذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" (١/ ٤٢٩) من حديث ابن عباس ﵄، وفي إسناده إسحاق بن بشر وهو متروك.