للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأصنامِ، أجابوا بهِ بعد أمرِهم بعبادةِ الله تعالى وترك عبادة الأوثانِ، وبإيفاء الحقوقِ، على طريق السخريةِ والاستهزاءِ حيث أسندوا الأمرَ إلى الصلاةِ إشعاراً بأن المأمورَ مما لا يُؤمَرُ به العقلاءُ؛ لأنَّه أمر وسوسةٍ وجنونٍ، لا أمر فطنةٍ أو (١) عقلٍ.

وأما تخصيصُهم الصلاة بالإسنادِ إليها لأنَّه كان يصلي، وكانوا يقولون لهُ: ما تستفيدُ بهذا؟ فيقولُ: إنها تأمرُ بالمحاسنِ وتنهى عن المساوئ، كما عرَّفه اللهُ تعالى عبادَه بقول (٢): ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فقالوا له على وجه التهكُّمِ به: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ … ﴾ الخ ففيه استهزاءٌ من وجهٍ آخرَ.

وأما جمعُها فلأنه كان كثيرَ الصلاةِ، وكانوا إذا رأوه يصلي يتغامزُون ويضحَكُون استبعاداً منهم أن يفعَلَ مثلَ ذلك الأفعالِ؛ ففي إتيانها (٣) على صيغةِ الجمع إشارةٌ إلى نوعٍ آخرَ من الاستهزاء له.

ثم إنهم جعلُوه مأموراً بفعل الغيرِ دلالةً على إفراطِه في ذلك كأنَّ نفسها مأمورٌ بهِ، وذلك أن في الأمرِ بنهي الغيرِ يكفي الإبلاغ مرةً أو مرتين، وهو قد واظَبَ على ذلك فنزَّلُوه منزلة المأمورِ بإتيان التركِ الواجبِ على الغيرِ، وهذا أيضاً نوع من الاستهزاءِ منهم مبناه على اعتبارٍ دقيقٍ، ولهذا غفلَ عنه الناظرون في هذا المقامِ، حتى ذهبوا إلى تقديرِ المضافِ؛ أي: تأمرُكَ بتكليفِ أن نتركَ، فأذهَبوا حُسنَ الكلام، ولطف الاعتبارِ المناسب للمقام.


(١) في (ك): "و".
(٢) في (ف): "كما عرف الله تعالى عباده"، وكلمة "بقول" ليست في (ف) و (ك).
(٣) في (ف) و (ك): "إثباتها".