﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ حُذِفَ هاهنا المحلوف به وأُثْبِتَ فيما تقدَّم؛ اكتفاءً بذكره مرَّة، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ [القلم: ١٧].
وقوله تعالى: ﴿لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾؛ أي: غرضُهم من الحلف بالله طلبُ رضاكم لينفعهم في دنياهم.
﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: فإنَّ رضاكم عنهم لا ينفعُهم إذا كان اللهُ تعالى ساخطًا عليهم؛ لأنَّ سخطَ اللهِ تعالى يورثهم عقوبةَ الدُّنيا والآخرة، ورضاكم لا يستلزم رضاه.
والعدولُ عن الضَّمير إلى الظَّاهر للتَّسجيل عليهم بالفسق، والدلالة (١) على أنَّ سخطَه تعالى عليهم مسبَّب عن فسقِهم، فلا يحصل رضاه ما داموا فاسقين، وعلى أنَّ الحكم عامٌّ وإنْ كان سببُ الورودِ خاصًّا؛ لأنَّ العبرةَ لعموم اللَّفظ لا لخصوصِ السَّبب.
والمرادُ: نهيُهم عن الرِّضا عنهم والاغترارِ بمعاذيرهم.
لَمَّا ذكرَ حَلِفهم فيما سبقَ لأجل الإعراض جاءَ الأمرُ بالإعراض هنا؛ لأنَّها تتنوَّع بحسب الإعراض، فيكون المعنى على مقتضى الحكمة ولا كذلك الرِّضا، وقد ذكر هاهنا الحلف لأجل الرِّضا وأبرزَ النَّهي عنه في صورة الشَّرطيَّة إخراجًا له مخرجَ التَّردُّد فيه لأنَّه مِنَ الأمور القلبيَّة، بخلاف الإعراض فإنَّه محسوسٌ مشاهدٌ، وجعلَ جوابه انتفاءَ رضاء الله تعالى عنهم، فصار رضا المؤمنين أبعدَ شيءٍ من الوقوع؛ لأنَّ اللَّائق بهم أن لا يرضَوا عمَّنْ لا يرضي الله عنهم.