﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ رؤيةُ العمل في مثل هذا المقام يكون كنايةً عن فعل الرَّائي ما يستحقُّه العاملُ بسببه؛ أي: سيرى الله تعالى أتُنيبون إليه وتتوبون، أم تَثْبتون على الكفر وتُصرُّون عليه. ففيه وعيدٌ بالإساءة في الدُّنيا، ووعدٌ بالإحسان فيها.
وتقديم ﴿عَمَلَكُمْ﴾ على قوله: ﴿وَرَسُولُهُ﴾ للفصلِ بين الرُّؤيتَيْن؛ تنبيهًا على أنَّ الثَّاني على حقيقته، والمراد مُوجَبُها، وهو الفصاحة على تقدير الثَّبات على الكفر، ولا يخفى أنَّه في غاية الإيجاز والفصاحة.
ثمَّ إنَّ في عبارة التَّسويف إشارةً إلى الإمهال لتدارك الإنابة، ففي الكلام استتابةٌ (١) على العطف وجيه (٢).
وإنَّما قلنا: إن ما ذُكِرَ مِن الوعد والوعيد في الدُّنيا؛ لأنَّ قولَه: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ وعدٌ ووعيدٌ في الآخرة.
وفيه تداركٌ لِمَا عسى أنْ يذهبَ إليه الوهم من قوله: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ﴾ إلى ما لا يليق بشأنه تعالى من الحاجة إلى الرؤية، وسبق علمه ببعض الأشياء بالغفلة عنه، ولهذا وضع ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ موضعَ الضمير؛ أي: لا يخفى عليه خافية ممَّا في قلوبكم، ولا بادرة مما يظهر على ألسنتكم وجوارحكم، فيجازيكم به.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ على رؤوس الأشهاد ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تشهيرًا لحالهم، وتقريرًا لو بالهم، وتذكيرًا لِمَا ذهب عن خيالهم وبالهم، على ما أفصح عنه في موضعٍ آخر بقوله: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]، فيتمنَّون عنده المسارعةَ بهم إلى النَّار لِمَا يُحيقهم (٣) به من الخزي والعار.
(١) في (ف) و (م): "اتنابة". (٢) في (ك) و (م): "وجه"، والعبارة غير واضحة. (٣) في (ف) و (م): "يحفهم".