مسار الصفحة الحالية:

ذمُّوه ﵇ وبلغه ذلك، فاشتغلت قلوبهم، فقال بعضهم: لا عليكم إنما هو (١) أُذُن سامعةٌ، قد سمع كلام المبلِّغ فتأذَّى، ونحن نأتيه فنعتذرُ فيسمع عذرنا أيضًا فيرضى (٢).

وهذا ما ذكره بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ الأُذُنُ مَنْ إذا قيل له شيءٌ سمعه، وحُدِّثَ بشيءٍ لا ينكرُه، فإن الأُذُن الذي هو جارحةُ السَّماع كذلك؛ أي: ليس فيه وراء الاستماع تمييزُ الحقِّ من الباطل.

وأرادوا ذمَّه ﵇، فَما ذُكِرَ مِنْ قَبيلِ التَّشبيه، والغرضُ: المبالغة في الذَّمِّ.

وأمَّا إطلاق العين على الجاسوس فمن قَبيل المجازِ العقلي، كإطلاق العَدْل على العادل، والغرضُ منه المبالغة في المدح، فأين هذا من ذاك؟!

كان النَّبيُّ ﷺ يستمعُ إلى كلامِ كلِّ مَنْ يحدِّثُه بشيءٍ؛ لِكرمِه وحُسنِ خُلقه، فظنَّ أولئك أنَّه لسلامة قلبه وغفلته.

ولقد أحسن مَن قال: عابَه الجُهَّالُ بما هو آيةُ غايةِ كرمه، وعلامةُ حُسنِ شِيمِه (٣)، قال ﵇: "المؤمن غِرٌّ كريمٌ، والمنافقُ خِبٌّ لئيمٌ" (٤).

﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أضاف الأذن إلى ﴿خَيْرٍ﴾ للمبالغة، كقولك: رجلُ صِدْقٍ، تريد وصفه بالجَودة والصَّلاح، كأنَّه مطبوعٌ منه ولا يتبيَّن إلَّا به، نحو: خاتم


(١) في (ك): "هي".
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٤٨)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٢١٧)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٥٢). وانظر: "سيرة ابن هشام" (١/ ٥٢١).
(٣) في (م): "سمته".
(٤) رواه أبو داود (٤٧٩٠)، والترمذي (١٩٦٤)، من حديث أبي هريرة ﵁، وفيهما: "والفاجر" بدل "والمنافق". وقال الترمذي: "غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".