﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دعاءٌ عليهم بالإهلاك، فإنَّ مَنْ قاتله الله هلكَ، ويُفهَم التَّعجُّب من السِّياق؛ لأنَّه كلمة لا يُفاه بها إلا في موضع التَّعجب من شناعة فعل قوم أو قولهم، ولهذا تعجَّبَ بعده من اعتقادهم وتلفُّظهم بالكلمة الشَّنعاء بقوله:
﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: يُصرَفون عن الحقِّ إلى الباطل، فلا مانع عن الجمع بينهما قصدًا.
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: اتَّخذوا علماءَ اليهود وعُبَّاد النَّصارى كالأرباب، حيث أحلُّوا لهم الحرام فاستحلُّوه وحرَّموا عليهم الحلال فحرَّموه، فقوله: ﴿أَرْبَابًا﴾، كقوله: ﴿نَارًا﴾ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦].
قال ابنُ السِّكِّيْتِ: الحِبرُ بالكسر: المداد، وبالفتح: العالم والرَّاهب، مأخوذ من الرَّهْبة، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يُخلص له النِّيَّة دون النَّاس.
﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ أي: اتَّخذوه ربًّا معبودًا، والرَّبُّ هنا على الحقيقة، ولهذا فصَله عمَّا قبله، مُخرِجًا له عن زمرتهم، مفرِدًا له بالإخبار عنه.
وإنما ذكره بنسبته إلى أمه إظهارًا لعدم صلاحيته للرُّبوبيَّة، وفي التَّعبير عنه بلقبه المشعِر بالربوبية نوعُ تمهيدٍ لذلك المقصود، ولا يخفى ما فيه من النَّعي عليهم.