﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ﴿مَنْ﴾ إمَّا استفهامية عُلِّقَ عنها الفعل، ومحلُّها الرَّفع على الابتداء، ما بعده خبره؛ أي: فسوف تعلمون (١) أيُّنا تكون له العاقبةُ المحمودة التي لها هذه الدَّار. وإمَّا موصولةٌ محلُّها النَّصب على المفعوليَّة؛ أي: فسوف تعرفون الذي يكون له العاقبة، وعيدٌ وإنذارٌ لطيف المسلَك مع مراعاة حُسْنِ الأدب، والإنصافِ للخصم في القول عند الوثوق بسوء عاقبته وحُسْنِ عاقبة المُوْعِد، وكذا قوله:
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ إشعارٌ بظلم المخاطَبين، وأنَّ ظلمهم سببُ (٢) امتناع فلاحهم، مع حسن العبارة، وإرخاء العنان، والمسامحة، والإيهام بأني إنْ كنْتُ أنا الظَّالمَ فلا فلاحَ لي، ولهذا ذكر الظُّلمَ دون الكفر، ثم بيَّنَ ظلمهم وكفرهم في الآية بعدها.
﴿وَجَعَلُوا﴾؛ أي: مشركو العرب ﴿لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾: خلَق، فيه إيماء إلى أنهم يرجِّحون ما لم يخلق شيئًا ولم يقدِرعلى شيء على مَنْ خلقَ أشياءَ (٣)، فيُؤْثِرونه عليه بما خلقها وزكَّاها جهالةً، وكان العكس أولى (٤)، ولهذا قال: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
(١) في (ح) و (ف): "فستعلمون". (٢) في (ك): "بسبب"، وهو خطأ لأنَّه يقلب المعنى ويفيد عكس المراد. (٣) "على من خلق أشياء" سقط من (ف) و (ح). (٤) أي: هم من فرط جهالتهم أشركوا الخالق في خلقه جمادًا لا يقدر على شيء، ثم رجحوه عليه بأن=