﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ الهمزة للإنكار، والفاءُ للعطف على محذوفٍ، أي: أيقدَحون في القرآن فلا يتدبَّرونه (١)؛ لأنهم لو تدبَّروه حقَّ التدبُّر لم يكن لهم شكٌّ في تَوافُق معناه وتناسُقِ نَظْمه.
والتدبر: إثارةُ المعاني بغَوصِ الأفكار، واستخراجُ جواهر المعاني بدقائق الاعتبار، وهو في الأصل: النظر في دُبُر الأمر؛ أي: عاقبتِه، ثم استُعمل في كلِّ تأمُّلٍ ونظرٍ سواءٌ كان في حقيقة الشيء وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه، أو لواحقِه وأعقابه، وفيه باعتبار أصله إشارةٌ إلى ما في مقاطع (٢) الكلام من مظانِّ الطعن في بادئ الرأي، التي تزول عند التأمُّل وتدقيق النظر.
والواو في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ للحال، وغيرُ الله ينتظِمُ الجنَّ والملَك، وفيه دلالةٌ على أنه كلام الله تعالى، وأمَّا إعجازه فالثابتُ به أنه ليس من كلام البشر، ولا يلزمُ منه أن يكون كلامَ الله تعالى.
﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ من جهة فصاحة اللفظ وبلاغةِ النَّظْم وصحةِ المعنى؛ لأن الخطيب الفصيح البليغ إذا كثُر كلامه اختلَّ نظامه، واختلفت أقسامُه، خصوصًا إذا تطاولت في تفاريق كلامه أيامُه؛ لنقصان قُدرة غير خالق القُوى والقُدَر (٣)، وما يوجد فيه من الاختلاف في الأحكام لاختلاف الأحوال في الحِكَم، لا للتناقض في الحُكْم.
(١) في (ح) و (ف): "يتدبرون". (٢) في النسخ عدا (م): "مقاطعة"، والمثبت من (م). (٣) في هامش (ح) و (ف): "من قال: لنقصان القوة البشرية، لم يدر أنه لا يكفي في تمام التقرير على ما نبهت عليه. منه". قلت: المراد بالقائل المذكور هو البيضاوي. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٦).