وَإِمَّا مُنَافِقٌ. فَمَنْ عُلِمَ نِفَاقُهُ لَمْ تَجُزِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ. وَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِنْهُ (١) صُلِّيَ عَلَيْهِ. وَإِذَا عَلِمَ شَخْصٌ نِفَاقَ شَخْصٍ لَمْ يُصَلِّ هُوَ عَلَيْهِ، وَصَلَّى (٢) عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ نِفَاقَهُ.
وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ حُذَيْفَةُ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَدْ عَرَفَ الْمُنَافِقِينَ، الَّذِينَ عَزَمُوا عَلَى الْفَتْكِ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ عُقُوبَةِ الْإِنْسَانِ فِي الدُّنْيَا عَلَى ذَنْبِهِ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُ ; فَإِنَّ الزَّانِيَ وَالسَّارِقَ وَالشَّارِبَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْعُصَاةِ تُقَامُ عَلَيْهِمُ الْحُدُودُ، وَمَعَ هَذَا فَيُحْسَنُ إِلَيْهِمْ (٣) بِالدُّعَاءِ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ; فَإِنَّ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةَ إِنَّمَا شُرِعَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ، فَهِيَ صَادِرَةٌ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (٤) وَإِرَادَةِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ (٥) .
وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ يُعَاقِبُ النَّاسَ عَلَى الذُّنُوبِ أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ وَالرَّحْمَةَ لَهُمْ، كَمَا يَقْصِدُ الْوَالِدُ تَأْدِيبَ وَلَدِهِ، وَكَمَا يَقْصِدُ الطَّبِيبُ مُعَالَجَةَ الْمَرِيضِ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ» " (٦) . . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: ٦]
(١) ح، ب: عَنْهُ. وَسَقَطَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ (و) .(٢) ب فَقَطْ: وَيُصَلِّي.(٣) ح، ب: عَلَيْهِمْ.(٤) عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: عَنْ رَحْمَةِ الْخَلْقِ.(٥) ح، ب، ر، أ: لَهُمْ.(٦) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ١ كِتَابُ الطَّهَارَةِ بَابُ كَرَاهِيَةِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَنَصُّهُ: إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا وَلَا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَيَنْهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرُّمَّةِ، وَالْحَدِيثُ فِي: سُنَنِ النَّسَائِيِّ، ١/٣٦ - ٣٧ كِتَابُ الطَّهَارَةِ، بَابُ النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِطَابَةِ بِالرَّوْثِ، وَأَوَّلُهُ فِيهِ: إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ، وَهُوَ أَيْضًا فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ١/١١٤ كِتَابُ الطَّهَارَةِ، بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ، الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ ١٣/١٠٠، ١٣٩ وَصَحَّحَ أَحْمَدُ شَاكِر الْحَدِيثَيْنِ
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute