مِنْ فِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ جَازَ أَنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً بِاخْتِيَارِهِ الطَّاعَةَ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى مَا يُجْعَلُ الْعَبْدُ فَاعِلًا لَهُ بَطَلَ أَنْ يُرِيدَ (١) هُدًى أَوْ ضَلَالَةً يُثَابُ عَلَيْهَا أَوْ يُعَاقَبُ عَلَيْهَا، وَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مَا أَخْبَرَ أَنَّهُ فَعَلَهُ مِنْ جَعْلِ الْأَغْلَالِ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَجَعْلِهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا وَنَحْوِ ذَلِكَ هُوَ مِمَّا يُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ. (٢) وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [سُورَةُ النَّحْلِ: ٣٧] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَنْ أَضَلَّهُ (٣) اللَّهُ لَا يَهْتَدِي.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الْآيَاتِ الْمُبَيِّنَةِ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُ قُلُوبَ الْعِبَادِ (٤) فَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمُنْعِمُ بِالْهُدَى عَلَى مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ، مَا يَتَعَذَّرُ اسْتِقْصَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ (٥) .
وَكَذَلِكَ فِيهِ مَا يُبَيِّنُ عُمُومَ (٦) خَلْقِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [سُورَةُ الرَّعْدِ: ١٦] وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِيهِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَفِيهِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ وَصْفُهُ.
وَإِذَا قِيلَ: هَذِهِ مُتَأَوَّلَةٌ عِنْدَ (٧) الْقَدَرِيَّةِ لِأَنَّهَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ عِنْدَهُمْ.
(١) ع: أَنْ يَزِيدَ.(٢) أ، ب: وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ، ع: وَنَحْوِ ذَلِكَ هُوَ مِمَّا يُعَاقَبُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ.(٣) ع: أَنَّهُ مَنْ يُضِلُّهُ، ب: أَنَّ مَنْ أَضَلَّهُ.(٤) أ، ب: يُقَلِّبُ الْقُلُوبَ وَالْأَبْصَارَ.(٥) ع: فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.(٦) ع: مَا يُبَيِّنُ أَنَّ عُمُومَ.(٧) أ: عَنْ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute