بَلْ قَوْلُهُمْ فِي الْكَلَامِ يَتَضَمَّنُ أَنَّ مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ لَا يَكُونُ مُتَكَلِّمًا ; لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ (١) هُوَ الَّذِي أَحْدَثَ فِي غَيْرِهِ الْكَلَامَ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَعْقُولِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي رِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: أَنَّهَا لَا تَقُومُ بِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنْهُ (٢) ، فَجَعَلُوهُ مَوْصُوفًا بِأُمُورٍ لَا تَقُومُ بِهِ، بَلْ هِيَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْهُ (٣) ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَعْقُولِ، ثُمَّ هُوَ تَنَاقُضٌ، فَإِنَّهُ (٤) يَلْزَمُهُمْ أَنْ يُوصَفَ بِكُلِّ مَا يُحْدِثُهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ (٥) ، حَتَّى يُوصَفَ بِكُلِّ كَلَامٍ خَلَقَهُ، فَيَكُونَ ذَلِكَ كَلَامَهُ. فَإِذَا أَنْطَقَ (٦) مَا يُنْطِقُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، كَانَ ذَلِكَ كَلَامَهُ لَا كَلَامَ مَنْ يُنْطِقُهُ (٧) وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ كَلَامَهُمْ أَنَّهُ يَفْعَلُ لِحِكْمَةٍ، يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْحِكْمَةِ أَرْجَحَ عِنْدَهُ مِنْ عَدَمِهَا، أَوْ أَنَّهَا (٨) تَقُومُ بِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ اللَّوَازِمِ الَّتِي لَا يُعْقَلُ مَنْ يَفْعَلُ لِحِكْمَةٍ إِلَّا مَنْ يَتَّصِفُ بِهَا. وَإِلَّا فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ نِسْبَةَ جَمِيعِ الْحَوَادِثِ إِلَيْهِ سَوَاءٌ، وَامْتَنَعَ (٩) أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا أَرْجَحَ عِنْدَهُ مِنْ بَعْضٍ، امْتَنَعَ (١٠) أَنْ يَفْعَلَ بَعْضَهَا لِأَجْلِ بَعْضٍ.
ثُمَّ الْجَهْمِيَّةُ الْمُجْبِرَةُ لَمَّا رَأَتْ فَسَادَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ، وَقَدْ شَارَكُوهُمْ (١١)
(١) أ، ب: وَالْمُتَكَلِّمُ.(٢) عَنْهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.(٣) عَنْهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.(٤) ب فَقَطْ: وَإِنَّهُ.(٥) ع: الْمُحْدَثَاتِ.(٦) أ، ب: نَطَقَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.(٧) أ، ب: مَنْ يَنْطِقُ.(٨) أ، ب: وَأَنَّهَا.(٩) أ، ب: امْتَنَعَ.(١٠) ب فَقَطْ: وَامْتَنَعَ.(١١) أفَقَطْ: شَارَكُوا.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute