الْمَشِيئَةَ وَالْإِرَادَةَ وَالْمَحَبَّةَ وَالرِّضَا نَوْعًا وَاحِدًا (١) ، وَيَجْعَلُونَ الْمَحَبَّةَ وَالرِّضَا وَالْغَضَبَ بِمَعْنَى الْإِرَادَةِ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ الْأَشْعَرِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَطَائِفَةٍ مِمَّنْ يُوَافِقُهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ.
وَأَمَّا جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ (٢) ، فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِرَادَةِ وَبَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا، فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ الْمَعَاصِيَ فَهُوَ لَا يُحِبُّهَا وَلَا يَرْضَاهَا، بَلْ يُبْغِضُهَا وَيَسْخَطُهَا وَيَنْهَى عَنْهَا، وَهَؤُلَاءِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَبَيْنَ مَحَبَّتِهِ. وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ قَاطِبَةً.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْقُدَمَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَنَّ الْأَشْعَرِيَّ خَالَفَهُمْ فَجَعَلَ (٣) الْإِرَادَةَ هِيَ الْمَحَبَّةُ (٤) ، فَيَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَكُلُّ مَا شَاءَ اللَّهُ فَقَدْ خَلَقَهُ. وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَمْرِهِ (٥) ، فَمَا أَمَرَ بِهِ فَهُوَ يُحِبُّهُ وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ (٦) عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ لَوْ قَالَ: (٧)
(١) وَهُمُ الَّذِينَ يُوَافِقُونَ الْقَدَرِيَّةَ. . . وَالْمَحَبَّةَ وَالرِّضَا نَوْعًا وَاحِدًا: بَدَلُ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ جَاءَ فِي (ن) ، (م) : وَهُمُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ الْإِرَادَةَ نَوْعًا وَاحِدًا.(٢) وَغَيْرِهِمْ: سَاقِطٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (م) .(٣) م: وَأَنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ خِلَافُهُمْ فَجَعَلَ، ن: وَأَنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ خَالَفَتئْهُمْ فَجَعَلَ.(٤) عَلَّقَ مُسْتَجَى زَادَهْ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ بِقَوْلِهِ: " وَقَدْ رَأَيْتُ فِي كَلَامِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْكُفْرَ وَيَرْضَاهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَهُ - تَجَاوَزَ اللَّهُ [عَنْهُ]- آرَاءً مُتَبَايِنَةً فَيُصَرِّحُ فِي تَأْلِيفٍ لَهُ بِعَقِيدَةٍ وَفِي تَأْلِيفٍ آخَرَ بِعَقِيدَةٍ مُتَبَايِنَةٍ لَهَا فَصَرَّحَ فِي الْإِرْشَادِ: أَنَّا نَدِينُ اللَّهَ تَعَالَى بِأَنَّ الْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ لِلْعَبْدِ لَيْسَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ تَأْثِيرٌ فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ مَحْضُ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِيجَادِهِ وَصَرَّحَ فِي الرِّسَالَةِ النِّظَامِيَّةِ بِأَنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً وَتَأْثِيرًا فِيهَا، حَتَّى أَنَّ شَارِحَ " الْمَقَاصِدِ " أَنْكَرَ وُقُوعَ ذَلِكَ عَنِ الْإِمَامِ احْتِجَاجًا بِكَلَامِهِ فِي " الْإِرْشَادِ " وَلَعَلَّهُ لَمْ يَرَ الرِّسَالَةَ النِّظَامِيَّةَ(٥) ب، أ: فَهِيَ مُنْفَعِلَةٌ مِنْ أَمْرِهِ، ن، م: فَمُتَعَلِّقَةٌ بِأَمْرِهِ(٦) ب، أ، ن: الْعُلَمَاءُ.(٧) ب، أ: إِذَا قَالَ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute