فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

اللَّهِ، لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]». (١)

• قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي "الْفَوَائِدِ" (صـ: ٣): قَاعِدَةٌ جَلِيْلَةٌ: إِذَا أَرَدتَّ الِانْتِفَاعَ بِالْقُرْآنِ فَاجْمَعْ قَلْبَكَ عِنْد تِلَاوَته وَسَمَاعِهِ، وَأَلْقِ سَمْعَكَ وَاحْضُرْ حُضُورَ مَنْ يُخَاطِبُهُ بِهِ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْهُ إِلَيْهِ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].

• وَذَلِكَ أَنْ تَمام التَّأْثِير لَمَّا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى مُؤَثِّرٍ مُقْتَضِ وَمَحَلٍّ قَابِلٍ وَشَرْطٍ لِحُصُولِ الْأَثَرِ وَانْتِفَاء الْمَانِع الَّذِي يمْنَع مِنْهُ تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ بَيَانَ ذَلِك كُلِّهِ بِأَوْجَزِ لَفْظٍ وَأَبْيَنِهِ وَأَدَلِّهِ عَلَى الْمُرَادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾؛ إِشَارَةٌ إِلَى مَا تقدَّمَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هَهُنَا، وَهَذَا هُوَ الْمُؤَثِّرُ، وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، فَهَذَا هُوَ الْمَحَلُّ الْقَابِلُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَلْبُ الْحَيُّ الَّذِي يَعْقِلُ عَنْ اللهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٦٩ - ٧٠]، أَيْ: حَيَّ الْقَلْبِ.

• وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾، أَيْ: وجَّهَ سَمْعَهُ وَأَصْغَى حَاسَّةَ سَمْعِهِ إِلَى مَا يُقَالُ لَهُ، وَهَذَا شَرْطُ التَّأثُّرِ بالْكَلَامِ.

• وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، أَيْ: شَاهِدُ الْقَلْبِ، حَاضِرٌ غَيْرُ غَائِبٍ. ا. هـ.

• وَقَالَ فِي "مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ" (ج ١/ صـ: ٤٤١) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ -: وَالنَّاسُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ قَلْبُهُ مَيِّتٌ، فَذَلِكَ الَّذِي لَا قَلْبَ لَهُ، فَهَذَا لَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ذِكْرَى فِي حَقِّهِ.


(١) "صحيح ابن حبان" (رَقْم: ٢٦٠)، وجوَّد إسناده العلامة الألباني في "الصحيحة" (رَقْم: ٦٨)، وحسنه العلامة الوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٦٢٧).

<<  <   >  >>