للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

• وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلْمُكَلَّفِ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا يُعِيْنُهُ عَلَى طَّاعَةِ رَبِّهِ وَعِبَادَتِهِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَلْقَاهُ، وَهَذِهِ أَهَمُّ تِلْكَ الْأَسْبَابِ وَالْمُعِيْنَاتِ الَّتِي تُعِيْنُ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ ، لَا سِيَّما فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ، شَهْرِ رَمَضَانَ:

الأُولَى: الاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ ﷿، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].

• فَذِكْرُ الاسْتِعَانَةِ بَعْدَ الْعِبَادَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ؛ لِلتَّنبِيْهِ عَلَى فَضْلِ وَشَرَفِ الْخَاصِّ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيْلَ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ ﷿ إِلَّا بِعَوْنِهِ وَتَوْفِيْقِهِ.

إِذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللهِ لِلْفَتَى … فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ

• وَلِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ فِي تَفْسِيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ: «يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ، وَأَنْ تَسْتَعِينُوهُ عَلَى أَمَرَكُمْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيْرِهِ (ج ١/ صـ: ٢٩).

• قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ كَثِيْرٍ : وَقُدِّمَ الْمَفْعُولُ، وَهُوَ: ﴿إِيَّاكَ﴾، وَكُرِّرَ؛ لِلِاهْتِمَامِ وَالْحَصْرِ، أَيْ: لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاكَ، وَلَا نَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْكَ، وَهَذَا هُوَ كَمَالُ الطَّاعَةِ، وَالدِّينُ يَرْجِعُ كُلُّهُ إِلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْفَاتِحَةُ سِرُّ الْقُرْآنِ، وَسِرُّهَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فَالْأَوَّلُ تَبَرُّؤٌ مِنَ الشِّرْكِ، وَالثَّانِي تَبَرُّؤٌ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَالتَّفْوِيْضُ إِلَى اللَّهِ ﷿.

• وَإِنَّمَا قَدَّمَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ عَلَى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَهُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَالِاسْتِعَانَةُ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا، وَالِاهْتِمَامُ وَالْحَزْمُ هُوَ أَنْ يُقَدَّمَ مَا هُوَ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ا. هـ.

• وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ قَدْ قِيْلَ: إنَّهَا تجْمَعُ سِرَّ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ السَّمَاءِ كُلِّها؛ لأنَّ الْخَلقَ إِنَّمَا خُلِقُوا؛ لِيُؤْمَرُوا بالْعَبَادَةِ، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وَإِنَّمَا أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ وأُنزلَتِ الْكُتُبُ لِذَلِكَ، فَالْعِبَادَةُ حقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلَا قُدْرَةَ لِلْعِبَادِ عَلَيْهَا بِدُونِ إِعَانَةِ اللَّهِ لَهُمْ؛ فَلِذَلِكَ كَانَتْ

<<  <   >  >>