وغربي كل منهما مدينة كبيرة عظيمة غنية بنفسها عن الأخرى إحداهما بناء المنصور، والأخرى بناها المهدي (١) موضع معسكره وبينهما جسران منصوبان أحدهما يعرف بالعتيق، والثاني بالجديد، وهما منصوبان على دجلة شرقًا بغرب على سفن وزواريق أوقفت في الماء ومدت بينها السلاسل الحديد المكعبة بالكعاب الثقال وفوقها الخشب الممدد، وعليها التراب مغدف بالقير (٢) يمر عليها أهل كل جانب إلى الآخر بالجمال والخيل والحمول.
= بناها السفاح. ومن آثاره مدينة «المصيصة» و «الرافقة بالرقة، وزيادة في المسجد الحرام. وفي أيامه شرع العرب يطلبون علوم اليونانيين والفرس، وعمل أول أسطرلاب في الإسلام، صنعه محمد بن إبراهيم الفزاري. وكان بعيدًا عن اللهو والعبث كثير الجد والتفكير، وله تواقيع غاية في البلاغة. وهو والد الخلفاء العباسيين جميعًا. وكان أفلحهم شجاعة وحزمًا إلا أنه قتل خلقًا كثيرًا حتى استقام ملكه. توفي ببئر ميمون (من أرض مكة) محرمًا بالحج سنة ١٥٨ هـ/ ٧٧٥ م، ودفن في الحجون (بمكة) ومدة خلافته ٢٢ عامًا. يؤخذ عليه قتله لأبي مسلم الخراساني (سنة ١٣٧ هـ) ومعذرته أنه لما ولي الخلافة دعاه إليه، فامتنع في خراسان، فألح في طلبه، فجاءه، فخاف شره، فقتله في المدائن. وكان المنصور أسمر نحيفًا طويل القامة خفيف العارضين معرق الوجه رحب اللحية يخضب بالسواد، عريض الجبهة كأن عينيه لسانان ناطقان تخالطه أبهة الملوك بزي النساك أمه بربرية تدعى سلامة. وكان نقش خاتمه الله ثقة عبد الله وبه يؤمن ومما كتب في سيرته أخبار المنصور» لعمر بن شبة النميري. ترجمته في: ابن الأثير ٥/ ١٧٢ ثم ٦/ ٦ والطبري/ ٩/ ٢٩٢ - ٣٢٢ والبدء والتاريخ ٦/ ٩٠ واليعقوبي ١٠٠ وتاريخ الخميس ٢/ ٣٢٤ و ٣٢٩ وفيه: «كان في صغره يلقب بمدرك التراب، وبالطويل، ثم لقب في خلافته بأبي الدوانيق لمحاسبته العمال والصناع على الدوانيق؛ وكان مع هذا يعطي العطاء العظيم». والنبراس لابن دحية ٢٤ - ٣٠ وفيه: «قتل من لا يحصى من قريش ومضر وربيعة واليمن وأهل البيوتات من العجم والفقهاء والشعراء. وكانت طبوله من جلود الكلاب والمسعودي ٢/ ١٨٠ - ١٩٤ وفيه: كان يقول: ولدت في ذي الحجة، ووليت في ذي الحجة، وأعذرت في ذي الحجة، ووليت الخلافة في ذي الحجة، وأحسب أن الأمر يكون في ذي الحجة؛ فكان كما ذكر، توفي في ذي الحجة». وتاريخ بغداد ١٠/ ٥٣ وابن الساعي ١١ - ٢٣ وفوات الوفيات ١/ ٢٣٢، الأعلام ٤/ ٧١١. (١) محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي العباسي، أبو عبد الله المهدي بالله: من خلفاء الدولة العباسية في العراق. ولد بإيذج (من كور الأهواز) سنة ١٢٧ هـ/ ٧٤٤ م وولي بعد وفاة أبيه وبعهد منه (سنة ١٥٨ هـ) وأقام في الخلافة عشر سنين وشهرًا، ومات في ماسبذان صريعًا عن دابته. في الصيد، وقيل مسمومًا سنة ١٦٩ هـ/ ٧٨٥ م. كان محمود العهد والسيرة محببًا إلى الرعية، حسن الخلق والخلق جوادًا، يقال: إنه أجاز شاعرًا بخمسين ألف دينار؟ وكان يجلس للمظالم ويقول: أدخلوا علي القضاة فلو لم يكن ردّي للمظالم إلا حياءً منهم لكفى. وهو أول من مشي بين يديه بالسيوف المصلتة والقسي والنشاب والعمد، وأول من لعب بالصوالجة في الإسلام. وهو الذي بنى جامع الرصافة، وتربته بها، وانمحى أثر الجامع والتربة بعد ذلك. ترجمته في: فوات الوفيات ٢/ ٢٢٥ ودول الإسلام للذهبي ١/ ٨٦ والبدء والتاريخ ٦/ ٩٥ وفيها أن المهدي «رد ولاء آل زياد، من نسبهم إلى أبي سفيان، إلى عبيد الثقفي، وكتب بذلك إلى المدن والأمصار» واليعقوبي ٣/ ١٢٥ وابن الأثير ٦/ ١١ و ٢٧ والطبري ١٠/ ١١ - ٢١ والنبراس ٣١ - ٣٥ والمسعودي ٢/ ١٩٤ - ٢٠١ و تاريخ بغداد ٥/ ٣٩١ وابن الساعي ٢٣ والوافي بالوفيات ٣/ ٣٠٠، الأعلام ٦/ ٢٢١. (٢) مغدف بالقير: مغطى بالقير «انظر: المعجم الوسيط ٢/ ٦٦٩».