مدن عامرة آهلة وجبال مشجرة مثمرة ينبت عندهم الزرع، ويدر الضرع، وتجري الأنهار، وتجنى الثمار، ولا طاقة لهم بسلطان هذه البلاد، وهم معه وإن كانت لهم ملوك كالرعايا؛ فإن داروه بالطاعة والتحف والطرف كفَّ عنهم وإلا شنَّ عليهم الغارات وضايقهم بالحصار.
وكم مرة قتل رجالهم وسبى نساءهم وذراريهم وجلب رقيقهم إلى أقطار الأرض.
ومما ينظم إلى جناح هذا السلطان قوم من الترك في نهاية الشمال من حدوده، وهم في جهد من قشف العيش؛ لأنهم ليسوا أهل حاضرة لهم زرع. وشدة البرد تهلك مواشيهم؛ وهم همج رعاع لا لهم مسكة بدين ولا رزانة في عقل، وهم لشدة ما بهم من سوء الحال؛ إذا وجد أحدهم لحمًا سلقه ولم ينضجه، وشرب مرقه وترك اللحم ليأكله مرة أخرى، ثم يجمع العظام ويعاود صلقها مرة أخرى وشرب مرقها، وقس على هذا بقية عيشهم.
وأخبرني الصدر جمال الدين عبد الله الحصني التاجر: أن لبس كثير من أهل بادية هذه المملكة الجلود سواء أكانت مذكاة أو ميتة مدبوغة أو غير مدبوغة من الحيوان الطاهر أو غير الحيوان الطاهر، ولا يعرفون في المأكل ما يعاف مما لا يعاف ولا التحريم من التحليل، وأنهم في الأزمات يبيعون أولادهم ليتقوتوا بأثمانهم إذا ضاقت بهم الأحوال في بعض السنين، ويقولون عمَّن يبيعون من أولادهم: نعيش نحن ولا وهو خير مما نموت نحن وهو.
وجاريت الصدر زين الدين عمر بن مسافر في حديث هذه البلاد وسألته عما قاله عبد الله الحصني، فقال لي: كل ما أخبرك به صحيح.
قلت: وترك هذه البلاد هم خيار الترك أجناسًا؛ لوفائهم وشجاعتهم وتجنبهم الغدر مع تمام قاماتهم، وحسن صورهم، وظرافة شمائلهم؛ ومنهم معظم جيش مصر؛ لأن سلاطينها وأمراءها منهم منذ رغب الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل (١) في مشترى المماليك القبجاق.
= والأوسيت الآن إقليم ذات حكم ذاتي في الاتحاد الروسي وتسمى أوسيتيا الشمالية وآخر تابع لجورجيا ويسمى أوسيتيا الجنوبية وبها يسكن الآص. (١) أيوب (الملك الصالح) بن محمد (الملك الكامل) بن أبي بكر (العادل) بن أيوب، أبو الفتح نجم الدين من كبار الملوك الأيوبيين بمصر. ولد في القاهرة سنة ٦٠٣ هـ/ ١٢٠٦ م ونشأ بها. وولي بعد خلع أخيه (العادل) سنة ٦٣٧ هـ. وضبط الدولة بحزم. وكان شجاعًا مهيبًا عفيفًا صموتًا. عمر بمصر ما لم يعمره أحد من ملوك بني أيوب. وفي أواخر أيامه أغار الإفرنج على دمياط (سنة ٦٤٧ هـ) واحتلوها =