والغالب على أهل الثروة والمال في ما وراء النهر صرف أموالهم في عمل المدارس وبناء الرباطات وعمارة الطرق والأوقاف على سُبُل الجهاد، ووجوه الخير، وعقد القناطر، إلا القليل من ذوي البطالة. وليس من بلد ولا سبيل مطروق، ولا قرية آهلة إلا وفيها من الرباطات (١) ما يفضل عمن ينزل به.
قال: وبلغني أَنَّ بما وراء النهر زيادة على عشرة آلاف رباط، وفي كثير منها إذا ترك النازل أطعم وعلق على دابته.
قال: وقلَّ ما رأيت خانًا (٢) أو طرف سكّة أو محلّة أو مجمع ناس [إلى حائط] بسمرقند في المدينة وظاهرها إلا وبه ماء مسبل بجمد.
قال: وحدثني من له خبرة: إنَّ بسمرقند وظواهرها ما يزيد على ألفي مكان يسقى فيها ماء الجمد مسبل عليه الوقوف من بين سقاية مبنية وحباب نحاس منصوبة وقلال خزف مثبتة في الحيطان.
وأما بأسهم فمشهور مستفيض؛ وفي بعض الأخبار أنَّ المعتصم سأل عبد الله (٣) أو كتب إليه يسأله عن من يمكنه حشده من خراسان وما وراء النهر؛ فأنفذ إلى نوح بن أسد بن سامان (٤)، فكتب إليه: أن ثمَّ ثلاثمائة ألف قرية إذا خرج من كل قرية فارس
(١) مفرده رباط وهو ملجأ الفقراء من المتصوفة «المعجم الوسيط ١/ ٣٣٥». (٢) الخان مكان فسيح خاص لنزول التجار، وهو مكون من طابقين، طابق لنزول الدواب والثاني لإقامة التجار «انظر: فرهنك رازي ٢٦٠» والخان: الفندق «المعجم الوسيط ١/ ٢٧٢». (٣) عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق الخزاعي، بالولاء، أبو العباس: أمير خراسان، ومن أشهر الولاة في العصر العباسي. أصله من باذغيس بخراسان، وكان جده الأعلى «زريق» من موالي طلحة بن عبد الله المعروف بطلحة الطلحات ولد سنة ١٨٢ هـ/ ٩٧٨ م. وولي صاحب الترجمة إمرة الشم، مدة ونقل إلى الدينور. ثم ولاه المأمون خراسان، وظهرت كفاءته فكانت له طبرستان وكرمان وخراسان والري والسواد وما يتصل بتلك الأطراف. واستمر إلى أن توفي بنيسابور (وقيل: بمرو) سنة ٢٣٠ هـ/ ٨٤٤ م وللمؤرخين إعجاب بأعماله وثناء عليه، قال ابن الأثير: كان عبد الله من أكثر الناس بذلًا للمال، مع علم ومعرفة وتجربة، وللشعراء فيه مراث كثيرة، وقال ابن خلكان: كان عبد الله سيدًا نبيلًا عالي الهمة شهمًا، وكان المأمون كثير الاعتماد عليه. وقال الذهبي في دول الاسلام: كان عبد الله من كبار الملوك. وقال الشابشتي: كان المأمون تبنّاه وربّاه. ترجمته في: ابن دقماق ٤/ ٦٥، المحبر ٣٧٦، ابن الأثير ٥/ ٧، الطبري ١١/ ١٣، وفيات الأعيان ١/ ٢٦٠، تاريخ بغداد ٩/ ٤٨٣، الولاة والقضاة ١٨٠، البستاني ١/ ٥٥٩، الديارات ٨٦ ٩١، التاج ٨/ ٢، الأعلام ٤/ ٩٣. (٤) نوح بن أسد بن سامان صاحب سمرقند وليها في أيام المأمون العباسي، سنة ٢٠٤ هـ. ثم صحب المأمون في إحدى زياراته لخراسان، وعاد معه إلى بغداد، فلزم خدمته إلى أن ولاه ما وراء النهر (سنة =