وأما مياههم فإنها أعذب المياه وأبردها وأخفّها، قد عمت جبالها وضواحيها ومدنها إلى التمكن من الجمد في جميع أقطارها، والثلوج من جميع نواحيها، وأما الدواب ففيها من النتاج ما فيه كفايتهم.
ولهم من نتاج الغنم الكثير، والسائمة المفرطة، وكذلك الملبوس فإنَّ لهم من الصوف والقرّ (١) وطرائف البز (٢).
وببلادهم من المعادن وخصوصًا الزئبق الذي لا يقاربه في الغزارة والكثرة معدن.
وأما فواكههم فإنَّك إذا تبطنت الصغد وآشروسنة وفرغانة والشاش رأيت من فواكههم ما يزيد على سائر الآفاق حتى ترعاها دوابهم، ويجلب إليها من محاسن الأشياء وطرف البلاد ما يتنافس الملوك فيه.
وأما سماحتهم فإنَّ الناس في ما وراء النهر كأنهم في دار واحدة، ما ينزل أحدٌ بأحد إلا كانه رجل دخل دار نفسه لا يجد المضيف من طارق يطرقه كراهية؛ بل يستفرغ جهده في إقامة أوده من غير معرفة تقدمت، ولا توقع لمكافأة بل اعتقاد السماحة بأموالهم؛ وهم في كل امرئ على قدره فيما ملكت يده. وحسبك أنك لا ترى صاحب ضيعة يستقل بمؤنته إلا كانت همته اقتناء قصر فسيح ومنزل للأضياف، فتراه [عامة] نهاره في إعداد ما يصلح لمن يطرقه، وهو متشوق إلى وارد عليه ليكرمه؛ فإذا حلّ بأهل ناحية طارق تنافسوا فيه.
وهم فيما بينهم يتبارون في مثل هذا الشأن حتى يجحف بأموالهم كما يتبارى سائر الناس في الجمع والمكاثرة والمال.
قال: ولقد شهدت آثار منزل بالصغد قد ضربت الأوتاد على باب داره بخيول الضيفان إنَّ ما بها مكث لا يغلق ما يزيد على مائة سنة لا يمنع من نزولها طارق؛ وإنَّما نزل به ليلًا على بغتة المائة والمائتان والأكثر من الناس بدوابهم وحشمهم من طعامهم ودثارهم وعلف دوابهم ما يكفيهم من غير أن يتكلف صاحب المنزل أمرًا بذلك، أو يتجشم عياله وأمه مع البشاشة بأضيافه لعلم سروره بهم كل من شهده.
قال: وترى الغالب على أهل المال والثروة صرف أموالهم على خاصة أنفسهم في الملاهي وما لا يرضي الله تعالى، والمنافسات فيما بينهم.
(١) القز: وهو الخز ويعني الحرير الخام. (٢) البز: نوع من الثياب «المعجم الوسيط ١/ ٥٦».