قال ابن الحكيم: ولهذا يخاف ملوكنا عادية هؤلاء؛ لأنهم لا يعلمون بهم إلا وهم معهم.
قلت: ومن هذه البلاد نجم سلطان الدولة السلجوقية في عهد السلطان مسعود السبكتكيني (١)، وأوّل ما بزغ كوكبهم ثم استعلى نيرهم، ونبع معينهم ثم فاضت أبحرهم. وكان الاحتجاج بالتنقل في المرعى هو السبب لجر الملك إليهم حتى أشهرت أعلامهم، وانتشرت أيامهم على ما هو مرقوم في صدور السير وصفحات التواريخ، ولم يزل لأهل هذه المملكتين قديمة.
وكان سكان الهند لا يلزمون مقاومتهم، ولا يتقون إلا بصدور الأقيال مصادمتهم حتى علت - والحمد الله - بالهند دولة الإسلام، وزادت اليوم بسلطانها القائم علوًّا، وتناهت غلوًّا، فنامت عيون أهل هذه البلاد لهيبة ذلك السلطان لعدم هجوده، وسكنت ثعالبهم المخاتلة بزئير أسوده.
ولقد كان أهل هذه المملكة لا تزال تجوس أطراف الهند خيولهم، وتحتجف به الأموال والأولاد سيولهم حتى نشأ بالهند سلطانه الآن، وشمَّر للحرب ذيله، وجاهد الأعداء في كل قطر.
واختلفت كلمة أهل هذه البلاد على ملوكها فانكفؤا لبأس ذلك السلطان، واختلاف ذات البين، فكان ملوك هذه المملكة من أولاد جنكزخان وأتباعهم من المحافظة على ياسة جنكزخان والتعبدات المعهودة من أهل هذا البيت من تعظيم الشمس والميل إلى آراء البخشية (٢)، تابعين لما وجدوا عليه آباءهم يعضون عليهم بالتواجد مثل تمسك القان الكبير، ومن في مملكته بها بخلاف الفخذين الآخرين ببلاد خوارزم والقبجاق وأهل مملكة إيران؛ وإن كان الملوك الأربعة من أولاد جنكزخان ومن نبعته نبعوا، ومن أفقه طلعوا؛ لكن بهذه المملكة والخطا أشدّ بياسته تمسكًا، ولطريقته اتباعًا، وهما مع هذا أعدل بني أبيهما حكمًا، وأنشرهما له في بلادهما ورعاياهما.
(١) مسعود بن محمود الغزنوي حكم سنة ٤٢٢ هـ بعد حبس أخيه محمد، ولم يستطع أن يواجه السلاجقة والغوريين ففر إلى الهند، ولكنه قتل على يد جماعة من أتباع ابن أخيه أحمد «روضة الصفا ١٦٠ - ١٦٤». (٢) البخشية: كانت ديانة المغول الشامانية، وهي عبادة الخان الأعظم ابن الإله المعبود «فتوحات هولاكو ٥ ٦» ولفظ بخشي من السنسكريتيت Bhikkshu وهو لقب يطلق في الأصل على الرهبان البوذيين «تركستان ٥٥٥».