للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأعمالًا دقيقة، وهم يقولون: الفرنج عور، وباقي الناس عُمّى - يعني إنَّ صنائعهم صناعة بصير بعين، وباقي الناس صناعتهم صناعة من هو أعمى ما يبصر ما يعمل.

وحكى لي من أحوال هؤلاء القوم ما يُنبئ عن عقول جمة وترتيب حسن وقهقنة في الأمور؛ فمما حكى لي عنهم: أَنَّ في مدن الخطا مطابخ يطبخ فيها الأطعمة الفائقة والمشروب اللذيذ مما لا يوصف حسنه أن يقدّم منه إلى الملوك معدة لمن يشتري منه من الأكابر حتى إن أحدهم إذا اهتم بضيافة كبير بعث إلى صاحب المطبخ من تلك المطابخ، وقال له: عندي ضيف وأريد له ضيافة بكذا في وقت كذا؛ فإذا كان ذلك الوقت حمل إليه ما يناسب إرادته وشرطه من بدائع المأكول والمشروب؛ كل شيء في وقته وإن كان المضيف ما له مكان يصلح للضيافة أعد له صاحب المطبخ مكانًا بكل ما يحتاج إليه من البسط والفرش والآلات والغلمان على قدر ما حده له المضيف من القيمة بحسب صاحب المطبخ حساب مكسبه في كل ذلك عن أجرته والمطبخ والدار والفرش وكلفة الطعام والشراب وإتمام كلّ شيءٍ بحسابه بقانون معين لا يزيد ولا ينقص من غير أن يحصل على المضيف تفريط ولا خيانة في شيء مما قل أو جل.

قلتُ: وحدثني الشريف الفاضل أبو الحسن علي الكربلائي التاجر وكان قد اجتمع بقان هذه البلاد وكثير من ملوك الأرض مع ما شاهده من عظمة سلطان هذا السلطان، وطاعة رعاياه له، وأمنهم في دولته، وقال لي: إنَّ لهذا القان أربعة وزراء يصدرون الأمر في مملكته كلها، ولا يراجع القان إلا في القليل النادر.

ووصف لي: أنه إذا أراد الركوب أنه لا يركب إلا في محفة، لا يظهر للناس إلا في يوم واحد؛ وهو مثل يوم مولده من كل سنة؛ فإنه يركب فرسًا ويخرج إلى الصحراء ويعمل بها من الأطعمة والسماطات ما يغمر الناس ويكون مثل يوم العيد عندهم.

وحدثني الصدر بدر الدين عبد الوهاب بن الحداد البغدادي التاجر: أنه وصل إلى الخنسا ووصف عظمة بنائها وسعة رقعة مدينتها مع تشحط الأقوات بها، ووفور المكاسب فيها، ورخص الرقيق الجيد فيها، وفي كُلّ تلك البلاد.

قال: وأهلها يتفاخرون بكثرة الجواري والسراري حتى إنه ليوجد لأحد التجار وآحاد الناس أربعون سرية فما زاد على ذلك ..

قلت: وكل ما ذكرناه في هذا هو على سبيل الاستطراد وإلا فالبسط المقصود: أنَّ هذا القان هو أكبر الملوك الجنكزخانية الأربعة.

<<  <  ج: ص:  >  >>