للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال: وأما مدينة قراقرم فإنها مدينة جليلة فيها غالب عساكر القان الكبير، ويعمل بها القماش المليح الفاخر، والصنائع الفائقة، وغالب ما يحتاج القان إليه يستدعى منها؛ لأنها دار استعمال وأهلها أهل صناعات فائقة وأعمال.

قال الشريف حسن السمرقندي وبلاد الصين كلها عمارة متصلة من بلد إلى بلدو من قرية إلى قرية، ومعاملتهم بورق التوت، ومنها كبار ومنها صغار، فمنها ما يقوم في المعاملة مقام الدرهم الواحد، ومنها ما يقوم مقام درهمين، ومنها ما يقوم مقام خمسة دراهم وأكثر إلى ثلاثين وأربعين وخمسين ومائة؛ وهو يُوجد من لحاء شجر التوت اللين ويختم باسم القان وتجري به المعاملات فإذا عتق واضمحل حمل إلى الخزانة وأعطي عوضه مع غرم قليل.

قال لي الشريف السمرقندي: ومن عجائب ما رأيت في مملكة هذا القان الكبير أنه رجل كافر، وفي رعاياه من المسلمين أمم كثيرة، وهم عنده مكرمون محترمون، ومتى قتل أحد من الكفار مسلمًا قُتل الكافر القاتل هو وأهل بيته وتنتهب أموالهم، وإن قتل مسلم كافرًا لا يقتل وإنَّما يطلب بالدية، ودية الكافر عندهم حمار لا يُطلب منه غير ذلك.

وسألته عن أهل الصين وما يحكى عنهم من رزانة العقل وإتقان الأعمال، فقال: هم أكثر مما يقال.

وكنا جماعة بحضرة سيدنا وشيخنا فريد الدهر وارث العلم والحكمة شمس الدين أبي الثناء محمود الأصفهاني، فقال الشريف السمرقندي: أنا أحكي لكم ما جرى لي؛ كنت أشكو ضرسًا في فمي فرآني بعض من كنت ألفت به في بلاد الصين، وأنا أتألم لشدة الضربات، فسألني عما بي فشكوتُ إليه وجع ضرسي فاستدعى شخصًا حطّابًا قصير القامة، فقال له: ابصر حال هذا المسكين، فنظر إلى فمي، وبقي يقلّب أضراسي بيده هنيهةً، ثم أخرج ضرسي الواحد ونصف الآخر ولم أشعر لهما بألم، ثم أخرج من خريطة له كانت معه أضراسًا كانت كوامل وأنصافًا وأثلاثًا وأرباعًا معدَّة عنده لوضعها في مواضع ما يقلع، ثم لم يزل يقيس مواضع ما قلع لي حتى وضع موضعها من تلك الأضراس ثم ذر عليها ذرورًا ودهنها بدهن التأمت به لوقتها، وأمرني أن لا أشرب عليها الماء يومي كله، ففعلت كأني ما قلعت شيئًا وأراني أضراسه فوجدناها كأحسن ما يكون المستجدين ظاهر عليها إنها ليسوا من نوع البقية، والضرس المشعوب، يظهر أَنَّ نصف الشعب من غير النصف الأول.

وحدثني الفاضل نظام الدين يحيى بن الحكيم: أَنَّ لأهل هذه البلاد عقولًا راجحة،

<<  <  ج: ص:  >  >>