والإحسان ومعاملتهم بقشور من لحاء شجر التوت (١) مطبوعًا باسمه، فإذا عشق ذلك المتعاطي به حمله إلى نواب هذا القان، وأخذ عوضه مع خسارة لطيفة (٢) كما يؤخذ في دار الضرب على ما يؤخذ إليها من الذهب والفضة ليضرب بها؛ وأهل مملكته هم أهل الأعمال اللطيفة والصنائع البديعة التي سلمت إليهم فيها الأمم، وقد ملئت الكتب من أحوالهم بما أغنانا عن ذكره، ومن عادة المجيدين في الصنائع أنَّهم إذا عملوا عملًا بديعًا حملوه إلى باب الملك، وعلق به ليراه الناس، ويبقى سنة كاملة؛ فإن سلم من عائب أسدى إلى صانعه صنائع الإحسان، وإن عيب عليه وتوجه العيب وضع قدر الصانع، وإن لم يتوجه العيب قوبل من عاب عيبًا غير متوجه قصد الأذية.
ومما حكي في هذا: إنَّ صانعًا منهم صور في نقوش الثياب الكمخا عصفورًا على سنبلة حتى مثله كأَنَّه حقيقة؛ فلما علقه حيث يعلق مثله استحسنه كُلُّ من رآه حتى مر به رجل فعابه فسئل: لأي شيء عبته؟ فقال: لأنَّ العصفور إذا قعد على سنبلة أمالها وهذه مستقيمة ما هي مائلة فاستحسن قوله، ووضع قدر الصانع، هذا مما يُحكى عنهم.
وأما ما يُحكى لي عن المشاهدة والعيان؛ فحكى لي الصدر (٣) بدر الدين حسن الأسعردي التاجر: أنَّ بعض صنّاعهم عمل سرجًا من أختاء البقر ودهنه وأبدع صناعته، ثم قدمه إلى القان فأعجبه ووقع منه موقع الاستحسان، ولم يشك أنه معمول من خشب مثل بقية السروج، فقال له صانعه أما علمتم هذا مما خشبه؟ فقالوا: لا فأوقفهم على إنه من أختاء البقر فاستحسنوا جودة صناعته ولطف تدقيقه.
وحكى لي: أن بعض صناعهم عمل ثيابًا من الورق وباعها من التجار على أنَّها من الكمخاوات الخطائية (٤) لا يشك فيها أحد، ثم إنه لما جاز هذا عليهم أطلعهم على حقيقة حالها فعجبوا لهذا.
قال بدر الدين حسن ولقد رأيت منهم من هذه الأعمال ما تُحار فيه العقول، ويذهل الأفكار.
(١) هي نوع من العملة المستعملة، فهناك عملة من الذهب والفضة ولحاء الشجر وتسمى جميعها بايزه. «جامع التواريخ ١/ ٢٤٧». (٢) وتسمى كانمد وهي مختومة بخاتم السلطان «رحلة ابن بطوطة ٤١٥». (٣) الصدر، هي وظيفة مرموقة تقارب وزير، وصدر أعظم الآن بمعنى رئيس الوزراء في الأردية، وصدر تعني هنا الزعامة الدينية ومنها صدر جهان وصدر الصدور وهي ألقاب تمنح لرجال الدين آنذاك. (٤) الخطائية نسبة إلى الخطا، وهم قوم من الترك سبق التعريف بهم - وتأتي الخطا والختا والقراخانية.