نسفا، وخَبَتْ مصابيح النجوم وكادت تطفى، وجاء ربك والملك صفًا صفًا، لقد جمعت الدنيا أطرافها وأزمعت على المسير، وخضت الأمة لهول المصير، وزاغت يوم موته الأبصار، إن ربهم يومئذ لخبير، وَقَفَتْ الألباب حيارى، وتوقفت تارةً تصدق وتارةً تتمارى لا تعرف قرارا ولا على الأرض استقرارا، إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرْضَعَتْ، وتضع كل ذي حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولم (١) يكن في النسب العباسي ولا في جميع مَنْ في الوجود (٢)، ولا في البيت المسترشدي ولا في غيره من بيوت الخلفاء من بقايا آباء لهم وجدود، ولا مَنْ تلده أخرى الليالي وهي عاقر غير ولود، مَنْ تسلم إليه أمة محمد ﷺ عقد نياتها، وسِرَّ طويّاتها، إلا واحد، وأين ذاك الواحد؟ هو والله مَنْ انحصر فيه استحقاق ميراث آبائه الأطهار، وتراث أجداده [الأخيار](٣)، ولا شيء هو إلا ما اشتمل (٤) عليه رداء الليل والنهار، وهو ولد المنتقل إلى ربه، وولد الإمام الذاهب لصلبه، المجمع على أنه في الأيام فرد هذا (٥) الأنام، وهكذا (٦) في الوجود الإمام، وإنه الحائز لما زررت (٧) عليه جيوب المشارق والمغارب والفائز، بملك ما بين المشارق والمغارب، الراقي في صفح السماء هذه الذروة المنيفة، الباقي بعد الأئمة الماضين ونعم الخليفة المجتمع فيه شروط الإمامة، المتضع لله وهو ابن بيت لا يزال الملك فيهم إلى يوم القيامة، الذي يفضح السحاب نائله، والذي لا يعزّه (٨) عاذله، ولا يغيره (٩) عاذله، والذي ما ارتقى صهوة المنبر بحضرة سلطان زمانه إلا قال ناصره وقام قائمه (١٠)، ولا قعد على سرير الخلافة إلا وعرف أنه ما غاب مستكفيه ولا غاب حاكمه، نائب الله في أرضه والقائم مقام رسوله ﷺ وخليفته وابن عمه، وتابع عمله الصالح ووراث علمه، سيدنا ومولانا عبد الله ووليه، أبو العباس الامام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين أَيَّد الله ببقائه الدين، وطوّق بسيفه الملحدين، وكبت تحت لوائه المعتدين، وكتب له النصر إلى يوم الدين، وكب بجهادِهِ على
(١) من هنا يعود السيوطي إلى نقل النص عن مسالك الابصار. (٢) (ولا في جميع من في الوجود) لم ترد في تاريخ الخلفاء. (٣) الزيادة عن تاريخ الخلفاء. (٤) الأصل، اشتملت، والتصويب عن تاريخ الخلفاء. (٥) في الأصل: هو. (٦) في الأصل: وواحد وهكذا. (٧) في تاريخ الخلفاء: زرت. (٨) لا يعزه: لا يقلبه، عادله: مساويه. (٩) في تاريخ الخلفاء: يغره. (١٠) في تاريخ الخلفاء: إلا قال بأمره وقام قائمه.