ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل، فأخبرته بما أخبرها به، أنه رأى وسمع فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، وقولي له:[فليثبت].
فرجعت خديجة فأخبرته بقول ورقة.
فلما قضى رسول الله ﷺ جواره بحراء، بدأ بالكعبة فطاف بها على ما كانت عليه عادته، فلقيه ورقة، وقال: يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره، فقال: والذي نفس ورقة بيده إنك لنبي هذه الأمة، لقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه (١)، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله.
وقالت له خديجة: يا ابن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به. فجاءه جبريل ﵇ فقال رسول الله ﷺ: يا خديجة، هذا جبريل جاءني، قالت: قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى، فجلس فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول، فاجلس على فخذي اليمنى، فتحول فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري فتحول فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، فتحسرت وألقت خمارها ورسول الله ﷺ في حجرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا، قالت: يا ابن عم، أثبت وابشر، فوالله إنه لملك، ما هذا بشيطان.
ثم تتابع الوحي، وهو مؤمن بالله مصدق بما جاءه منه، قد قبله بقبوله، وتحمل منه ما تحمل على رضا العباد وسخطهم، فمضى على أمر الله - سبحانه - على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى.
وآمنت به أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂ ووازرته وكانت أول من آمن به وصدقت بما جاء منه، فخفف الله بها عن رسوله، كان لا يجد ما يحزنه إلا
(١) ا فوخه: اليافوخ: وسط الرأس. (٢) سورة البقرة: الآية ١٨٥.