حاجاتهم؛ فإنَّ كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة من مطعمِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَلْبَسِهِ وَمَسْكَنِهِ وسائر حاجاته، ولعلّه يملك ما يستغنى عنه كمن يملك الثياب فلا بد من متوسط يرغب فيه كل أحدٍ، فَخَلَقَ الله الدراهم والدنانير متوسطين بين الأشياء حتى يبدلان في مقابلة كل شيء ويبدل في مقابلتهما كل شيء كالقاضيين بين الناس يقضيان حوائج كل من لقيهما؛ ولهذه العلَّة فَخَمَ الله تعالى أمر كنزهما واختفائهما فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ (١) الآيات؛ لأن المقصود منها تداولها بين الناس لقضاء حوائجهم فمن كنزهما، فقد أبطل الحكمة التي خُلقا لها، وذكر بعض العلماء: انّ عزّة الذهب ليس لقلة وجوده؛ فإن وجود الذهب أكثر من النحاس والحديد، وكيف لا وإنّه دائمًا يُستخرج من المعادن؟! ولا يتطرق إليه التَّوى (٢) والتلف بخلاف النحاس والحديد؛ فأنَّهما يُتلَفان بطول المكث بل السبب في ذلك؛ أنَّ من ظفر بشيء منه دفنه، فالذي تحت الأرض أكثر من الذي يتعامل عليه الناس.
ومن خواصه ما ذكر أرسطاليس: أنّه يقوّي القلب، ويدفع الصرع إن علق على إنسان، ويمنع الفزع، ومن اكتحل بميل ذهب، جلا عينيه وقواهما وحسن النظر، وإن ثقبت شحمة الأذن بإبرة من ذهب، لم يلتحم، وإن كوي به مكان جرح، لم يُنفط وبرئ سريعًا.
وقال ابن سينا (٣): إمساكه في الفم يزيل البخر، وينفع من أوجاع القلب والخفقان وحديث النفس.
قال ابن البيطار (٤): مُعتدل لطيف سحالته تدخل في الأدوية السوداوية، وأفضل الكي وأسرعه بُرْءًا ما كان بمكوى ذهب، وأمساكه في الفم يزيل البخر، وتدخل سحالته في أدوية داء الثعلب وداء الحية طلاء، وفي مشروباته ويقوي العين كحلًا، ويَنْفَعُ من أوجاع القلب والخفقان وحديث النفس وخُبثها، وإن كويت به مقادم أجنحة الحمام ألِفَتْ أبراجها، وإنْ طُرِحَ منه وزن حبتين في وزن عشرة أرطال زئبق غاص إلى قعره، وإن طرح في هذا القدر مائة درهم أو غيرها من الأجساد الثقيلة عَامَ فوقه ولم ينزل فيه، وإن ثُقبتْ شَحمة الأذن بإبرة ذهب لم تلتحم، وإنْ عُلّق الإبريز منه على صبي لم يفزع ولم يصرع. مُجرّب. وإن لبس منه خاتمًا من في إصبعه داحس خفف وجعه. مجرب.
(١) سورة التوبة: الآية ٣٤. (٢) التوى: الهلاك. (٣) القانون ٧٨٩ (٤) الجامع ٢/ ١٢٦.