قال: أجل ملوك الفرنج قدرًا الريدفرنس صاحب فرنسة، والاذفونش صاحب بلاد النصارى بالأندلس نائبه، وأما أعظم الفرنج شوكة، فهو الأنبروز ملك اللمان وهذان الريدفرنس والأبروز هما أعظم ملوك الفرنج بأسرهم، وجميع الطوائف تقرّ لهما بالتقويم، وتقرر لهما موجبات التعظيم فأما الريدفرنس فهو صاحب إفرنسة وبلادها وبرها وبحرها، وما هو معها مما بيد الأذفونش من جزيرة الأندلس وما هو مضاف إلى ذلك. والريدفرنس عريق النسب في الملك القديم والمملكة المأخوذة عن السلف، وهو أكبر ملوك بني الأصفر مكانةً، وأتمهم بختًا وأعظمهم تاجًا وتختًا. وله مدن كبيرة عامرة، وعساكر كثيرة وافرة، ولكنه لا يقارب عدد ملك اللمان ولا يُباريه في قوة الخياله والفرسان، ومع هذا فهو حيث حلّ طبق المضارب والخيم، وصدَّق ببوارقه مخايل الديم، وهم أهل فخار تغالب أقرانها في الشيم وتغالي أثمانها في شؤم القيم، وهذا الملك الكافر يفحص عن مآثر نسبه ويحرص على مفاخر رتبه، فإذا قدم للتمليك، وتقرب إلى التخت وقَرُبَ منه التاج يقول لأمه: من أبي ثلاث مرات، وهي تسمي اباه ليحقق نسبه ثم يلبس التاج ويجلس على التخت، وله ما ليس لأمثاله من الرخت.
ومن أهل هذا البيت مَنْ (١) كان حضر إلى الثغور المصرية، وأخذ دمياط، ثم أخذت منه في الدولة الأيوبية، وأمسك الريدفرنس واعتقل بدار الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان كاتب الإنشاء، ورَسَمَ عليه الطواشي الكبير صبيح إلى أن قرّر عليه المال وَمُنَّ عليه بالإطلاق على مالٍ قُرر وحالٍ حُرّر، وعهد أخذ عليه أن لا يعود ولا يقصد سواحل الإسلام منهم راكب فرس ولا قاعد في مركب على عود. وفي هذه الواقعة يقول الصاحب المنشئ جمال الدين يحيى بن مطروح (٢)
(١) هو بولش، الملك ريدا فرنس المعروف بالفرنسيس، قصد مصر وتملك دمياط سنة ٦٤٧ هـ، وفي أثناء ذلك توفي الملك الصالح نجم الدين أيوب وتملك توران شاه، ثم قتل، وأحيط بدمياط. فأعيدت إلى الأيوبيين وأسر ريدا فرنس، وأطلق بعد تسلم دمياط. فحاول العودة إلى مصر أيام الظاهر بيبرس، فغزا أولًا تونس وبها قتل سنة ٦٦١ هـ. انظر: فوات الوفيات ١٠/ ٣١٣ وخبر أخذ دمياط في تاريخ أبي الفداء ٤/ ١٨١. (٢) جمال الدين. يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين أبو الحسن ابن مطروح، من أهل صعيد مصر، أقام بقوص مدة. واتصل بالسلطان الملك الصالح أيوب. وخدم ابنه الملك الصالح. الذي جعله فيما بعد نائبًا للخزانة بمصر. وأرسله إلى دمشق وزيرًا. ومات بمصر سنة ٦٤٩ هـ. وكان شاعرًا أديبًا من كبار شعراء عصره. انظر الوفيات ٦/ ٢٥٨، وذيل الروضتين، ١٨٧، ومرآة الجنان ٤/ ١١٩، والنجوم الزاهرة ٧/ ٢٧، الشذرات ٥/ ٢٤٧.