للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أمرًا ونهيًا، ودبر الممالك تنفيذًا ورأيًا. وَصَل الأرزاق بقلمه، ورويت تواقيعه وهي إسجالات حُكمه وحكمه. لا أرى أن اسم الكاتب يَصْدُق على غيره ولا يطلق على سواه:

لا يعمل القول المكـ … رر منه والرأي المردد

ظَن يصيب به الغُيو … ب إذا توخى أو تَعمَّد

مثل الحام إذا تألـ … ـق والشهاب إذا توقد

كالسيف يقطع وهو مسـ … لول وَيُرْهَبُ حين يُغْمَدْ

ولا أعتقد أن بينه وبين القاضي الفاضل من جاء مثله، على أنه قد جاء مثل تاج الدين ابن الأثير ومحيي الدين ابن عبد الظاهر وشهاب الدين محمود وكمال الدين ابن العطار وغيرهم. هذا إلى ما فيه من لطف أخلاق وسعة صدر وبشر محيا. رزقه الله أربعة أشياء لم أرها اجتمعت في غيره وهي: الحافظة، قَلَّما طالع شيئًا إلا وكان مستحضرًا لأكثره، والذاكرة التي إذا أراد ذكرى شيء من زمن متقدم كان ذلك حاضرًا كأنه إنما مَرَّ به بالأمس، والذكاء الذي تسلط به على ما أراد، وحسن القريحة في النظم والنثر. أما نثره فلعله في ذروة كان أوج الفاضل لها حضيضًا ولا أرى أحدًا يلحقه فيه جودة وسرعة عمل لما يحاوله في أي معنى أراد وأي مقام توخاه وأما نظمه فلعله لا يلحقه فيه إلا الأفراد.

وأضاف الله تعالى له إلى ذلك كله حسن الذوق الذي هو العمدة في كل فن. وهو أحد الأدباء الكملة الذين رأيتهم؛ وأعني بالكملة الذين يقومون بالأدب علمًا وعملًا في النظم والنثر ومعرفة بتراجم أهل عصرهم ومن تقدمهم على اختلاف طبقات الناس وبخطوط الأفاضل وأشياخ الكتابة. ثم إنه يشارك من رأيته من الكملة في أشياء وينفرد عنه بأشياء بلغ فيها الغاية وقصر ذلك عن شأوه لأنه جَوَّد فنَّ الإنشاء: النثر وهو فيه آية، والنظم وساير فنونه، والترسل البارع عن الملوك. ولم أر من يعرف تواريخ ملوك المغل من لدن جنكز خان وهلم جرًّا معرفته وكذلك ملوك الهند الأتراك. وأما معرفة الممالك والمسالك وخطوط الأقاليم ومواقع البلدان وخواصها فإنه فيها إمام وقته وكذلك معرفة الاسطرلاب وحل التقويم وصور الكواكب. وقد أذن له العلامة الشيخ شمس الدين الأصبهاني في الإفتاء على مذهب الإمام الشافعي فهو حينئذ أكمل الكملة الذين رأيتهم. ولقد استطرد الكلام يومًا إلى ذكر القضاة فسرد ذكر القضاة الأربعة الذين عاصرهم شامًا ومصرًا وألقابهم وأسماءهم وعلامة كل قاض منهم حتى إني ما كدت أقضي العجب مما رأيت منه. واتفق يومًا آخر أنه احتجت إلى كتابة صداق

<<  <  ج: ص:  >  >>