وأوجههم مستديرة في غاية الاستدارة، وعليهم شبه الزغب كثير جدًا، وآذانهم كبار مستديرة مسترخية، حتى إن أذن الرجل منهم إذا تقلقلت تلحق طرف منكبه، وكلامهم شبيه بالصفير، والشدّة عليهم بادية، وهم خفاف الوثوب، وفيهم زنا فاحش، وبلادهم بلاد ثلج وشتاء دائم والبرد عندهم لازم في كل الأحايين، ويقال: إن يأجوج ومأجوج أخوان أمهما وأبوهما واحد والغالب على ألوانهم البياض والحمرة، ونكاحاتهم كثيرة، ونتاجهم فاش، وكانوا قبل أن يصل إليهم الاسكندر ويبني السدّ عليهم في باب جبلهم الذي كانوا يدخلون منه ويخرجون عليه يغيرون على مَنْ جاورهم، ويتحاشدون على من قصدهم، وكانت لهم وقائع وغارات مذكورة، حتى إنهم أخلوا كثيرًا من البلاد والمدن المجاورة لهم من غربي الجبل حيث سدّ ذي القرنين السد المبني عليهم، وأكثر البلاد خاوية على عروشها، لا قاطن بها ولا ساكن فيها لكثرة حياتها وغور مياهها وشحة أرضها، وسنذكر هذه الأرض وما جاورها.
فمن ذلك: بلاد تركش (١)، وهي قبيلة من الأتراك، بل هم الأتراك على الحقيقة، وذلك أن في الأخبار المنقولة أن يأجوج ومأجوج لما طغوا وغلبوا وأكثروا الفساد في الأرض شكي أمرهم إلى الاسكندر، فلما قصد أرضهم اختبرهم فوجدهم أممًا عم خيرهم وكثر نسلهم (٢)، وقل ضررهم، وذلك انهم هاجروا إلى الاسكندر قبل أن يلحق أرضهم، واعترفوا بين يديه انهم براء مما يفعل إخوانهم يأجوج ومأجوج، وشهد لهم كثير من القبائل بذلك وانهم لم يزالوا أبد الدهر يطلبون السلامة والسلم حريصين عليه فتركهم الاسكندر خارج السدّ وأقطعهم تلك الأرض فسمتهم العرب تركًا لأنهم ممن ترك الاسكندر من آل يأجوج ومأجوج وأسكنهم خلف السد، فقروا في تلك الأرض، فكثر نسلهم واتصل خبرهم بجميع الترك أعني الخرلخية والتبتية والخرخيرية والتعزغزية (٣) والكيماكية والمخامانية (٤) والأذكش والتركش والخفشاج (وهم القبجاق)(٥) والخلخ والغز والبلغارية، هؤلاء كلهم أمم تركهم الاسكندر خلف الردم فانتشروا في الأرض وعمروها، وكثرت أنسالهم وفَشَتْ أحوالهم، واتصلت خيراتهم، وعمت بركاتهم وأكثرهم مجوس وعباد نيران والغالب على طباعهم الجفاء وغلظ
(١) نزهة المشتاق ص ٨٥٠. (٢) في النزهة: نسكهم. (٣) في الأصل: (البرعزية). (٤) في الأصل: (الحاماسة)، والتصويب عن النزهة. (٥) ليست في النزهة.