للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عليهم من سائر الأمم، وربما رجع بالخبر الشاذ منهم فيخبر أنه رأى بالليل في تلك الأرض التي خلف الجبل نيرانًا كثيرة، وأما بالنهار فلا يرى شيئًا إلا ضبابًا ونيرانًا (١) مختلطًا متصلا (وهذا الجبل المسمى بالأم المتقدم ذكره عند ابتداء ذكر الجبال) (٢)، وهذا الصنف من الترك المسمّى بالأذكش يقال: إنهم عراض الوجوه، كبار الرؤوس شعورهم كثيرة، وأعينهم برّاقة، وكلامهم كلام منفرد بذاته، وعبادتهم النيران وسائر الأنوار، وفي شمال أرضهم جبل كبير يسمى جبل فرغان، وهو آخذ في الطول من المغرب إلى المشرق نحو ثمان عشرة مرحلة، وفي وسط هذا الجبل موضع عال كالقبة مستدير وفي وسطه بركة ماء لا يُعرف عمقها فلا يسقط فيها شيء إلا ابتلعت فلا يرى ولا يقدر أحد من الناس على العوم فيها، ولا شيء من الحيوان. إن وضع فيه الخشب ابتلعته، وهذا عجب عجيب ومصنوع غريب، وفي أسفل هذا الجبل مما يلي الجنوب ويقابل أسفل تلك البركة مغارةٌ يُسمع فيها دوي كثير هائل، يعلو صوته مرّةً ويقل في وقت آخر، ولا يُعلم سبب ذلك الصوت. وإن تقدّم إلى فم هذه المغارة المذكورة حيوان من إنسان أو بهيمة من قبالته فلا يُرى، ويُذكر أنه يخرُجُ من تلك المغارة ريح يجتذب المتعرض لذلك، وهذا أمر عظيم. قال الشريف (٣): وخبر هذه المغارة مشهور في تلك الأرض ويتحدث به في سائر أرض الترك، وهي مذكورة في التصانيف لشهرتها، وقد ذكر صاحب كتاب العجائب عن هذه المغارة أشياء لا يحسن إلا السكوت عنها لبشاعتها وقلة قبول العقول لها، والله أعلم بذلك كله.

ومما (٤) يدخل في هذا الإقليم بلاد يأجوج العليا، وهي بلاد كثيرة عامرة، وهم عدد كثير، وجمع غزير، وأمم لا يُحصون كثرة وبلادهم بلاد خصب ومياه جارية، وسهول وحزون تربة، ومواش كثيرة، وهم من ولد سام بن نوح، وهم المفسدون في الأرض، وخلقهم صغار جدًا، وهم فيما يحكى أن طول الرجل منهم أعني من آل يأجوج مثل طول القصار من آحادنا، ونساؤهم مثل ذلك، ولا يعرف ما ديانتهم ولا أي شيء معتقدهم، وأما آل مأجوج، فأرضهم أسفل هذه الأرض، وهم قصار جدًا في نهاية القصر حتى إن طول الرجل منهم لا يتجاوز ثلاثة أشبار ونساؤهم مثل ذلك،


(١) في النزهة: (سرابا).
(٢) ما بين قوسين لم يرد في نزهة المشتاق.
(٣) نزهة المشتاق ص ٨٤٨.
(٤) نقلًا عن نزهة المشتاق ص ٨٤٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>