للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتارةً بشنّ الغارات، ولا يستقيم لها حال. وكان العلماء يفتون بقتالهم، وقتل من يُظفر به من أهلها المحاربين، وما برحوا بين طاعة وعصيان إلى أيام الحكم بن هشام (١) فولّى عليهم عمروس بن يوسف (٢) المولد، وكان داهية وباطنه على ما يقوله، وكتب معه إليهم بأنه ما كان يدعوكم إلى ما كنتم عليه إلا لكون الولاة من غير جنسكم، وقد وليت عليكم عمروس بن يوسف، وهو رجل مولّد من جنسكم، فسامَهم حتى مالوا إليه، وأوهمهم أنه خائف من الحكم ولم يزل بهم حتى رسخ هذا في قلوبهم، ثم إنه جمع أكابرهم وقال لهم: قد علمتم ما أريد من دوام الاتفاق بيني وبينكم وأخشى أن يحصل ممّن معي من الجند ما يُنفّر به قلوب أحد منكم لاجتماعكم أنتم وإياهم في الحارات والمساكن، وقد رأيت أن أبني فوق هذا وأشار إلى جبل في وسط المدينة قلعة تكون سكنًا لي ولهم، فاستصوبوا رأيهُ وشَرَع في البناء حتى كملت واستدار سورها واتخذ له فيها قصرًا عليًّا وسكن هو وجنده بها، وكتب إلى الحكم سرًا بما دبره فلما علم الحكم بأن الحيلة قد تمت بعث ابنه عبد الرحمن في جيش على أنه يغزو الثغر الأعلى، فسار حتى نزل على قرب من طليطلة، فجمع عمروس أكابر البلد وقال لهم: قد قرب هذا الفتى منّا، والرأي أنا نخرج إليه ونعرض عليه أن يدخل إلينا في خاصته لنضيفه ونخدمه، فقالوا: مصلحةً، وخرج بهم إليه فلما قاربوه ركب إليهم في خاصته وتلقاهم وأكرمهم، فلما دخلوا سُرادقه أكرمهم وأظهر السرور بهم، فعرضوا عليه الدخول للضيافة، فامتنع ثم كرّروا المقال فأجابهم وسار معهم، فنزل هو وخاصته ممن معه بقصر عمروس وقُدمت له التقادم وأفاض عليهم الخلع، وكتب إلى أبيه بخدمتهم له، فعادت أجوبته مشحونة بشكرهم والثناء عليهم، ثم كتب الحكم إلى ابنه عبد الرحمن بأنه قد اعذر اخوته الصغار وعمل دعوة لأهل قرطبة فاصنع أنت أيضًا مثل ذلك فاستعدّ لهذا وجمع الذبائح والناس ليوم معلوم، وباكر أهل طليطلة الحضور إلى الطعام فلما استكملوا في قاعة الجلوس دعوا إلى قاعة أخرى وجلس بها عبد الرحمن وعمروس وثقاتهم، فلما صاروا بهم باكروهم ضربًا بالسيوف ورضخًا بالعُمد وَوَجًْا بالخناجر حتى فرغوا منهم وألقوهم بحفير هناك، ثم بقي عبد الرحمن يستدعي أناسًا


(١) الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، ملك الاندلس، ولي بعد والده، وكان شجاعًا سفاحًا فاتكًا ذا حزم ودهاء بويع سنة ١٨٠ هـ وتوفي سنة ٢٠٦ هـ انظر: أخبار مجموعة ص ١٢٤، والوافي ١٣/ ١١٧، ونفح الطيب. وانظر الفهرس، والمغرب في حلى المغرب ٢/ ١٠٢.
(٢) انظر خبره في البيان المغرب ٢/ ١٠٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>