للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولا سُئل كيف الطريق إلّا قال: أنا ما أحبُّ الاشياء الحلوة الدسمة، ولا نعرف أعرف منه بتلفيق الأسباب، وتخريب عرائش النقانق وقباب الكباب، فما حط يده في طعام إلا محقه، ولا في مأكول إلا وعاد في الحال كأنّ الله ما خلقه، فاقتضى له تقدمه هذه الطائفة (١) أن يكتب له هذا التقليد. ويراد به طول يده وباعه المديد، ويميز على أبناء جنسه من طائفة الشيخ ساسان (٢)، ومن يأخذ أموال الناس باليد ويأكلهم باللسان، ويفعل الفعائل التي ما يظن بها إلا أن زمان أبي الأكاسرة عاد، وينصب النصبات التي لو كان أبو زيد السروجي (٣) حاضرها لما زاد، فرسم أن نقلّده أمر طائفة الطفيلية، ويعاد إليهم أمورهم بالكلية، وأن يكونوا جميعهم تحت أمره المطاع، وأعوانه إذا أكل كل ما على السماط، وخلى الناس وهم جياع، وهو ما يحتاج إلى الوصايا التي تشغله عن الابتلاع، وتلهيه عن النهم الذي هو من خلق السباع. وإنما نقول له على سبيل التذكرة، ونكتفي بالقليل لما عنده من المخبرة.

فأول ما نوصيه أنه لا يقف عند منهل ولا يتوقف في أي شيء تسهل، ولا يتخير ليتحير، ولا يفكر إذا تقدم إلى الطعام بحقد مَنْ حَقد، ولا لوم من لام ولا يحسب حساب بقية من حضر، بل يأكل الكل ولا يذر، ولا ينتظر من غاب. ولو كان أسد الغاب، ومهما جاء قدامه رماه بالمحاق، وعاجَلَهُ خوف اللحاق. وإذا قدمت المائدة. بذكر اسم الله لتهرب الشياطين، وتغنّى لئلا تحضر الملائكة وتحيل بكل طريق في عدم المشاركة، وتعجّل مهما أمكنه فإنه ما يؤمن المداركة، وليلف الخبز والإدام، ولا يعف عن لحس الزبادي وقرقشة العظام، ولا يتلافى خاطر من حرد، ولا يترضى، ولا يدع شيئًا مما يطلق عليه اسم الأكل حتى النار التي تأكل بعضها بعضًا، وليباكر الغداء فإنه مكرمة، ويلازم العشاء فقد قال ، تعشوا ولو بكف من حشف فإن ترك العشاء مهرمة، وليداوم على ما هو عليه من هذا الأمر، ولا يلتفت لقول زيد ولا عمرو، وليأكل ما حضر. ويحرص على الطيبات، فقد كان (٤) يأكل القثاء بالرطب، ويحبّ الحلو والعسل ويحب الزبد والتمر، ولا أقل أن يكون


(١) الطائفة الأولى: الجماعة، والثانية: من الطواف.
(٢) بنو ساسان: طائفة من المكدين، ظهرت في العصر العباسي، منهم أبو دلف الخزرجي الينبوعي، له قصيدة في يتيمة الدهر ٣/ ٣٥٤ تسمى الساسانية.
(٣) أبو زيد السروجي، شخصية وهمية. يروي عنها الحريري مقاماته، وفي ترجمة الحريري بوفيات الأعيان، خبر يفيد أنه أعرابي عرف الحريري كنيته ولقبه فنسب المقامات إليه.
(٤) الحديث أخرجه الترمذي ٣/ ٤٣٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>