فيه هذا من السنّة، ومن تتبع مآكل السلف، وإن كان لا يريد إلا زهد، لا مصور على خاطره، وممثل في ناظره، ثم ليتعهد المهضمات وما يقوّي المعدة ويزيد لهب نيرانها المتقدة. ولا يدع استعمال المسهلات لهييء المعدة لمواقع الغداء والعشاء، ومواضع الأكل في مطاوي الأحشاء، وليستعلم أخبار الأكلين وطوائف الطفيلية المحتالين. لما يحصل بذلك من التأسي، وينهض الشهوة للأكل والتحسّي، وإياه والمضغ، فإنه يطيل المدى، ويقلّل معه مقدار ما يؤخذ من الغدا، ومهما استطاع فليحسن المآكل ويحزن صاحب الضيافة الحزين الثاكل، وليصرف شهواته إلى ما لا يتصرف، وما يقف على المعدة ويتوقف. ويلازم مغلظات الغذاء، ولا يسمع ممن قال: إنه المذموم.
وليستكثر من لحوم الجمال والجواميس والبقر، وما أشْبَه هذه اللحوم. وكذلك ما رزن من الحبوب، ووزن، فجاء أضعاف مثله في القدر المحسوب، ودأبك أن تعرف موسم كل مجتمع، ومكان يرجى فيه ملء البطن للشبع، وصرّف أعوانك لتعرف أخبار الأعراس التي يولم فيها الولائم، وبقية المواضع التي ينصرف عنها بشبعه الطاعم، وأسمطة الأمراء ومآدب الوزراء، ومواضع مناصفات الفقراء والأوقاف التي تعمل لها جلاسات الفقهاء والقراء. ومظان الرهان التي تؤخذ فيها الدراهم وتصرف غالبها في أنواع المطاعم ودعوات الإخوان وأهل القصف، ومن يكون على ميعاد استعدّ له، وما لا يبعد من هذا الوصف، ودور أهل اليسار وكبار العامة، والتجار. والجندي إذا جاء من الريف، وحطّ هديته عن الحمار، وأرباب الصنائع الذين منهم من أوتي رزقه. ومن لا يبلغ أجرة عمله في اليوم درهمين، وينفق بعض الأيام أكثر من دينار، ومواضع النزه، فكثيرًا ما يُستخرج بها مال البخيل، والبيوت التي تُطْلَبُ إليها المواشط والدايات فإن النفقة فيها غير قليل، وأقم لك ربيئة على كل رابية وكل مكان يدق عليه بالطبول، وتتبع من يقوم منهم لتهنئة من تجددت له نعمة أو دفعت عنه نقمة، أو غير هذا مما يقتضيه الفضول، ثم أقصد هذه المواضع وابسط يدك كل البسط، وتذكر ماكتب ساسان على عصاه ولا تنس الشرط، ولف الأوز والدجاج والبط. واشرب بالزبادي المرق ولو أنه ماء الشط. وأحرق كلّ ما قدامك، ولو كان النار والكبريت والنفط، وصل صولة الفحل وكل الشهد وإبر النحل، ولا تخل جنى النحل. ولا ما غرست فيه من الوحل، واهجم واسأل ولا تُسَلْ، ولا تفرق في سدّ الجوعة بين الصَّبِر والعسل، وإذا رايت جماعةً فاحدس أنهم اجتمعوا لطعام، أو أفرادًا فاجزم انهم تفرقوا حيلة للالتئام، فاعمل بالحزم واقصدهم وصمم العزم، وانضم إليهم، واهجم هجوم الأسد المفترس، وكُل كل ما بين أيديهم، وتنوّع في الشهوات واقترح