وأنتم أحوج إلى طلب الفداء لأُسراكم منّا إليه، وأجدر إلى استهمت رماح الجبلين عليه؛ لأنكم تربعون به تكثرًا من قلّة، وتعزّزًا من ذلّة، ولسنا كذلك، إنّا لا نأسف على من نقص من عدد. ولا نبالي بمن أمسك من مدد. ثقة بما عوّد الله من النصر، وأتى من الأجر بالصبر.
ومنه قوله:
وَرَدْنَا والأرض كأذناب الطواويس، والطير زجله كأصوات النواقيس، وقد اهتز الشجر، وكلَّل النبات المطر. والطرف قد رتع كالطرف في تلك الميادين. والنسيم قد ضَمَّخ من شذا تلك البساتين، فلم تكن لنا أمنيّة إلا أن نراك ونثري بلقياك سقي ثراك.
ومنه قوله:
وقد أجلتنا يومين وهذا ثالث، وأعطيتني عَهْدَين وكُنْتَ الناكث، فهل أبتدعت ما أتيت؟ أو كان لك عليه باعث. فيا قسيم روحي ويا نسيم صبوحي. ها قد آن الغبوق إلا أنه بقرقف مرشفيك، وكأس عينيك، ووالله لا شربت إلا على آس عذارك وورد خديك، فابرر قسمي. وردّ الجواب من فمك إلى فمي.
وسيأتي ذكر أبيه في الشعراء، وبه كانت لابنه هذه المكانة من سيف الدولة وكلاهما أعني هذا وأباه ذو تيهِ وَصَلَف، وكلاهما من صاحِبِهِ خَلَفْ.
وأما:
[٣] الحريري، أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، صاحب المقامات (١)
فإنه فيما سواها ما قاربها ولا داناها، حتى عجز عند الامتحان عن كتابة كتاب أمر به على ما وَشَّع من تلك المقامات ووسع من تلك المقالات. وبرع في ذلك المذهب، وعرف له من الحريري المذهب. هذا: والدهر من رواته، والناس سواء في عدم مساواتِهِ، وهو مادة أهل الأدب والذي ينسلون إليه من كل حَدَبٍ. إلا أنه لم يقدر أن يكون مكلفًا، ولا استطاع أن يكون لغير أمالي خاطره متلقفًا. وهذا مذهب غير
(١) أبو محمد القا القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري البصري الحرامي صاحب المقامات، الأديب الشاعر، صاحب التصانيف منها: (درة الغواص في أوهام الخواص) و (ملحة الأعراب). ولد سنة ٤٤٦ هـ، وتوفي سنة ٥١٦ هـ بالبصرة. انظر: وفيات الأعيان ٤/ ٦٣ وإنباه الرواة ٣/ ٢٣ ومعجم الأدباء ١٦/ ٢٦١ والنجوم الزاهرة ٥/ ٢٢٥ والشذرات ٤/ ٥٠٠ وخزانة الأدب/ ٣/ ١١٧ ومعاهد التنصيص ٣/ ٢٧٢ وسير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٦٠ والبداية والنهاية ١٢/ ١٩١ والوافي بالوفيات ٢٤/ ١٣١.