للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مذهب كتاب الانشاء المكلفين اتباع غرض غيرهم، حتى يقسروا خواطرهم على ذلك. على أن الرجل فضله عظيم ومثاله الدهر به عقيم، وقدره جليل. ونظيره قليل، منبع الفضائل ونبعتها. وصيّت الفواضل وسمعتها، توقته الأعداء سمامًا، وألقته الأولياء سهاما، وكان معدن نائل وموطن كلّ طائل. باري غرب يريش ويبري. ويجيش قليب خاطره ويجري.

أبرز ما لم يستطعه الأوائل، وأحرز قصبات السبق على كل قائل، وكان سبب وضعه لمقاماته ما حكاه ولده أبو القاسم عبد الله، قال (١):

كان أبي جالسًا في مسجده ببني حرام (٢) فدخل عليه شيخ ذو طمرين عليه أهبة السفر، رث الحال، فصيح الكلام، حسن العبارة، فسألته الجماعة: من أين الشيخ؟ فقال: من سُرُوج، فاستخبروه عن كنيته، فقال: أبو زيد. فعمل أبي المقامة المعروفة بالحرامية، وهي الثامنة والأربعون. وعزاها إلى أبي زيد المذكور. واشتهرت فبلغ خبرها الوزير شرف الدين [أبا] (٣) نصر أنو شروان بن خالد القاشاني وزير المسترشد، فلما وقف عليها أُعْجِبَتْهُ وأشار [على والدي] (٤) أن يضم إليها غيرها. فأتمها خمسين مقامة. وإلى الوزير المذكور أشار الحريري في الخطبة: فأشار من إشارته حُكْمٌ، وطاعته غُنْم، اليّ أنْ أُنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع.

قال ابن خلكان (٥): ورأيت في سنة ست وسبعين وست مئة بالقاهرة نسخة مقامات بخط الحريري. وقد كتب أيضًا بخطه على ظهرها أنه صنعها للوزير جلال الدين (٦) عميد الدولة ابن صدقة وزير المسترشد ايضًا. قال ابن خلكان: ولا شك أن هذا أصح من الرواية الأولى لكونه بخط المصنف. والله أعلم.

وأما تسمية الراوي بالحارث بن همام، فإنما عنى نفسه، وهو مأخوذ من قوله : «كلكم حارث وكلّكم همام» فالحارث الكاسب، والهمام الكثير الاهتمام. وما


(١) الخبر نقلا عن وفيات الأعيان ٤/ ٦٣.
(٢) حرام التي نسب إليها الحريري، اسم سكة من سكك البصرة (وفيات الأعيان ٤/ ٦٧).
(٣) في الأصل: أبو. وهو أبو نصر شرف الدين أنوشروان كان نبيلًا فاضلًا مصنفًا، توفي سنة ٥٣٢ هـ. انظر: وفيات الأعيان ٤/ ٦٧ والمنتظم ١٠/ ٧٧ والبداية والنهاية/ ١٢/ ١٩٢ والشذرات ٤/ ١٠١.
(٤) في الأصل: إليها، والتصويب عن الوفيات.
(٥) وفيات الأعيان ٤/ ٦٤.
(٦) أبو علي الحسن بن علي بن صدقة، استوزره المسترشد سنة ٥١٣ هـ ثم عزله، ثم أعاده وخلع عليه توفي سنة ٥٢٢ هـ. انظر الفخري في الأحكام السلطانية ص ٢٢٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>