للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من شخص إلا وهو حارِثٌ وهُمَام؛ لأن كل أحد كاسب ومهتم بأموره. وكان الحريري قد عمل من المقامات أربعين مقامة، وحملها إلى بغداد وادعاها، فقال جماعة من أدباء بغداد: ليست من تصنيفه، بل هي لرجل مغربي مات بالبصرة، ووقعت أوراقه إليه فادعاها، فاستدعاه الوزير إلى الديوان وسأله عن صناعته فقال: أنا رجل منشئ. فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عينها، فانفرد في ناحية من الديوان. وأخذ الدواة والورقة، وسكت زمانًا فلم يفتح الله عليه بشيء من ذلك، فقام وهو خجلان، وكان من جملة من أنكر دعواه أبو القاسم علي بن أفلح (١) فأنشد (٢):

[من المنسرح]

شيخ لنا من ربيعة الفَرَس … ينتف عثنونَهُ منَ الهَوس

أنْطَقَهُ الله بالمشان كما … رماه وسط الديوان بالخرس

وكان الحريري يزعم أنه من ربيعة الفرس، وكان مولعًا بنتف لحيته عن الفكر. وكان يسكن في مشان البصرة. فلما رجع إلى البصرة عمل عشر مقامات أُخر وسيرهنّ واعتذر من عيّه وحصره بالديوان مما لحقه من المهابة (٣).

وللحريري عدة تصانيف طريفة لطيفة «كدرة الغواص» و «ملحة الأعراب» ويقال: إنه عملها لجواري الخليفة لكي يحفظنها ويقمن السنتهن بها.

قلت: وهي [على] ما حوت من العلم سهلة المأخذ، كأنما شعرها غزل. ولو لم يكن منه إلا قوله: [من الرجز]

ولن يطيب الوصل حتى تسعدي … يا هند بالوصل الذي يروي الصَّدِي

وله نظم ونثر في غير المقامات، ومنها قوله نثرًا:

ولما استخدم الخادم فيما أهل له آنفًا، اعتمد في الخدمة مايتهيب قلمه الافصاح عنه، ويعرف بأن سعادة الديوان العزيز هي التي سنّت ما تسنّى منه. وتقدم له الوعد بانه عند تصفح مساعيه يمنح من المساعفة بما يرتجيه، ولم يقدم قلمه على التذكير بالوعد الشريف إلا بعد ما أنطقه لسانُ التوفيق للخدمة، وكفل له بمزيد الحظوة من النعمة، فإن اقتضت الآراء العلية إنجاز موعده، كان ذلك إنعامًا يقع عند معترف


(١) جمال الملك، أبو القاسم علي بن أفلح العبسي، شاعر ظريف من الهجائين. توفي سنة ٥٣٥ هـ. انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٣٨٩.
(٢) نسب ابن خلكان البيتين إلى أبي محمد الحسن بن أحمد المعروف بابن جكينا الحريمي البغدادي.
(٣) إلى هنا انتهى النقل عن وفيات الأعيان.

<<  <  ج: ص:  >  >>