للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كالحمام، مُشتطٌّ في مطالبه، خفيف النهضة في مآربه، سريع الوثبة فيما يريد، ثقيل الوطأة على ما يصيد. فما لبثنا أن أشرفنا على يعافير (١) متطرفة، ويحامير (٢) متعرفة فخرطنا القلائد والشناقات، فمرّت متوافقاتٍ مترافقات قد تباينت في الصور والأجناس، وتألّفَتَ في الإرشاد والالتماس. فسبقت الصقور إليها ضاربة وجوهها عاكسة رؤوسها، ولحقت الكلاب بها، مُنشبة فيها، مدميةً لها، فبادرناها مجهزين، وغنمناها فائزين، ثم أخذنا في صيد ما يقرب ويخف، وتحصيل ما يلوح ويستدف، فلاح لنا قنبر فأطلقنا عليه (بؤبؤا) (٣) فغاب عن الأبصار، واحتجبا عن الأنصار، وصار كالغيب المرجم، والظنّ المتوهّم، ثم [خطفه] (٤) ووقع به وهما كهيأة الطير الواحد، وعُدْنا وفي حبائلنا الصيد والصائد، ورجعنا والشمس مصبوبة للغروب، مؤذنة بالمغيب، والجوّ في أطمارٍ مبهجة في أصائلِه، وشفوف مورّسة مِنْ غلائله، فالله ينظر مولانا في دقيق الأغراض وجليلها، ويقضي له بالظفر في جسيم المطالب وضئيلها.

[فصل من رسالة في وصف الرمي عن قسي البندق] (٥)

مآرب الناس منزلة بحسب قربها (٦)، وأولاها بأن يعتده الخاصة ملعبًا (٧) والعامة مكسبًا (٨)، الصيد الذي هو رائض الأبدان (٩)، وجامع الشمل والاخوان (١٠)، ولما كانت الجوارح المثمنة ليست لكل الناس ممكنة، بل لمن عَظُم شأنه وحاله، وجم نشبه وماله، جعلت القول مقصورًا على قسي البندق التي لا تتعذر على مكثر ولا


(١) اليعفور: الخشف، وولبد البقرة الوحشية أيضًا.
(٢) اليحامير وأحدها يحمور، دابة وحشية نافرة لها قرنان كأنهما منشاران (حياة الحيوان ٢/ ٤٣٤).
(٣) البؤبؤ: من جوارح الطير، يشبه الباشق (حياة الحيوان ٢/ ٤٣٣).
(٤) في الأصل: حفظه.
(٥) بياض في الأصل بمقدار ثلاث كلمات والعنوان عن يتيمة الدهر ٢/ ٢٥٦.
(٦) بعده في اليتيمة: من هزل وجد، ومرتبة على قدر استحقاقها من ذم أو حمد، وإذا وقع التأمل لها والتدبر بها، وجد اولاها.
(٧) في اليتيمة: نزهة وملعبًا.
(٨) في اليتيمة: حرفة ومكتسبًا.
(٩) في اليتيمة: الصيد الذي فاتحته طلاب لذة ونظر، وخاتمته حصول مغنم وظفر، وقد اشتركت الملوك والسوقة في استجماله، واتفقت الشرائع المختلفة على استحلاله، نطقت الكتب المنزلة بالرخصة فيه، وبعثت المروءات على مزاولته وتعاطيه، وهو رائض للأبدان …
(١٠) بعدها في اليتيمة: وداع إلى اتصال العشرة منهم والصحبة، وموجب لاستحكام الألفة لبينهم والمحبة وبه ينتهي نقل اليتيمة من الرسالة.

<<  <  ج: ص:  >  >>